‏إظهار الرسائل ذات التسميات بأقلامكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بأقلامكم. إظهار كافة الرسائل

بأقلامكم - أحلام مبتورة


خزامى عبابنة




ألقت بقلمها على الدرج أمامها، وزفير الحرب لم يغادر أذنيها بعد، التهمت الضوضاء وغشاوة بيضاء تغشى ما تبقى من نور عينيها، المرايل الزرقاء من حولها لا تنهض ذكرى الساحل، ولا تمطرها الغيوم الصيفية.

لم تعرف كيف بدأ كل شيء، لم تفهم أي شيء مما قيل حولها، أن هناك حرباً من نوع آخر يذهب ضحيتها الأطفال، أمها مسها الجنون، أخذت تحزم الأمتعة، وقطرات العرق تهطل باردة من جبينها، أبوها يجهز القبو مع جيرانهم، انسلت من بينهم لتبصر المأوى الجديد، حيز صغير يفي بالغرض، جارتهم سعاد تحوقل وهي تضرب الكف بالكف، رائحة الرطوبة اقتحمت أنفها الصغير، والعتمة كانت سيدة المكان، رمقها، فأسرعت لتساعد في حمل الأمتعة، لم تلبث أن ولجت من الباب حتى كان صوته مهزوزا يأتيهم من الخلف: "لقد بدء القصف أسرعوا"، لم يكمل أحدهم ما بيده، كانت الصورة ترتج أمامها، وكلهم يهرلون إلى الأسفل.

أصواتهم من حولها تناديها: " ندى، ندى"، من تحت الركام تبصر شعاع النور ينسل إليها هزيلاً، ورائحة الموت تزكم أنفها، وصورة الدماء والرماد تغطي جسدها.

الألم يلفها، تراود نفسها عن الصراخ الأخرس، يتراكضون من حولها، ضوضاؤهم وهدير الحرب والأنوار الحمراء والزرقاء تتراقص أمامها في غشاوة بيضاء كنهاية مفتوحة، الغشاوة التي غطت عينيها والضمادات التي غطت الكثير من جسدها وتلك القدم المبتورة والعويل في القاعات المليئة بالجرحى والجثث، لم تكن لتمنحها رغبة في الحياة بل كانت عبئاً أخرى تثقل كاهلها، الزرقة فارقت السماء وهوت الطيور والمآذن والأبرياء.

أحلامها المرصعة فوق جدران غرفتها، أنفاس عصافيرها الملونة ونجومها الذهبية، قصفتها طائرات تحلق فوق ارتفاع منخفض، تهوي بحلوى العيد وتنهش الأجساد الغافلة، صوت أخيها يأتيها من شرفة منزلها: "تعالي، طيور كبيرة تحلق فوق بيتنا، إنها تلقي بحلوى" لم يتم الصغير كلماته وقد سقط في الرماد، دوي القنابل والصواريخ غيبها عما يدور حولها، يدها لم تستطع أن تمسك بيده وهو يهوي، والأرض قد لتبتلعهم وسط الجحيم، يدغدغ مسامعها صوته: "حلوى"، أبصرته وهو يشير إلى السماء الزرقاء والطائر الكبير يحلق فوق البيوت الآمنة هدايا تمطرها السماء إنها حلوى العيد.

اهتز كل شيء، لم يتشبثوا بيد الحياة، جيرانهم، صحبة الطريق، مدرستها، عم سامح وحبات الطماطم الحمراء المستديرة، أجراس الكنائس، مئذنة حيهم، جميعها غابت عن مشهدها اليومي، كلها هوت معا، ما عادت تقوى على إدراك أي شيء، كتب الجغرافيا وعلم التضاريس سويت بالأرض لم تعد هناك أي تفاصيل تذكر، صوت أمها يرن في أذنيها: "ندى أحضري الخبز"، أخوها الصغير يتشبث بثوبها الوردي وهو لا ينفك يحلق بطائرته الصفراء الصغيرة، عينه تسبقه في الكلام، تلك الاستدارة تمنحه مزيداً من الحب وقبلة ساخنة، "ولك على حسابي حبة حلوى"، يلحقهما صوت أمهما: "لا تطيلا المكوث في الخارج الجو يزداد برودة إنه تشرين"، لم يتوقف الصغير عن الكلام واللهاث وراء طائرته المحلقة في يده على ارتفاع منخفض، يتناول حبات الحلوى يحشو بها طائرته ملونة براقة "أريدها أن تمطر حلوى"، رائحة الخبز ورائحة الاطمئنان تعزف على أوتار أمنية الصغير بحلوى العيد.

أفاقت سريعاً على صرخات من حولها، انتشلتها يد ما حملتها بسرعة، وضربات قلبه من تزفها، ودوي القنابل يهز جدران المكان، فلا ترجع إلا صرخة الموت، غابت عن الدنيا وهي ما زالت تلهث : "ندى اكتبي على السبورة" أرادت أن تتصالح مع الحياة وأن تتحالف مع القدر بهدنة ما، تحمل أي رسم يضمن لها الأمان، أرادت أن تكمل رسمها وتملأ الفراغات الكثيرة، لكنها هزيلة، سقطت، لم تكن قدمها الواحدة لتمنحها فرصة الصمود فقد هوت.

عويلها، الركام، الضجيج، الغشاوة فوق عينيها جعلتها تدور في دوامة الحرب من جديد، لم يعد جسدها طوعها، فقد انتفضت كما انتفضت الأشلاء المبتورة، وعادت لتحمل الرصاص من جديد، كما يهوى صبية حيهم لعبة الحرب، تمسك بذيل أحلامها و دميتها ذات الرداء الوردي، المطرز بقطعة ذهبية وشريط أحمر يزين شعرها الأشقر، لكنها عبثاً تمضي في طريق مسدود تجر قدمها المبتورة، لم يتبق منها غير الشريط المقطوع والطيف البعيد:

-"لم تفق بعد؟"

-"لا أدري!!"

أفاقت ودويّ القنابل يداعب أذنيها، وهي تتراقص على أوتار الفزع، "هاهي قد فتحت جفنيها، الحمدلله أنك بخير، ذهبت عنك الحمى"، نظراته الهاربة من المكان تشعرها بالخوف، المزيد من الأنفاس حولها تنتهي بنحيب، كل الأماكن هي هدف للقصف، الهروب إلى حيث السماء الزرقاء هو الأمل، لم تستطع بلع ريقها، تناولت شربة الماء وابتلعتها ككوز صبر، لم تتكلم ولكن وخز الرصاص في الخارج والأصوات العالية انتهكت حرمة ملاذهم، قدمها المبتورة وجسدها الوهن لم يساعداها على الفرار، الكثير من النساء كن حولها عندما دار مصباح يدوي في الظلام، ضحكات مجنونة هي التي كانت تقودها مع الكثيرات وهن مكبلات الأيدي، أغمضت عينيها عندما رأت النور الملبد فيه الرماد، لكنها أدركت أنهن أصبحن اليوم سبايا لهؤلاء، ومن فوقهم القصف يسوي لهم الطرقات.

لقد كانت ضمن عشرات من العيون المليئة بالدموع والأجساد المرتجفة، لقد بكت الكثير لن ينفعها أي صبر حتى وإن كان صبر يعقوب وأيوب معا.

لم تصدق عينيها وهي تقرأ ما كتبته سلمى على باب حجرتها بخط أنيق"هنا شقيقتي من سورية ندى" أخيرا وجدت ملجأها بعد أن أضناها التعب، عن أي حرية مغتصبة ستسأل؟؟ أتعدو؟ أتتسابق والرمال لتلتهم الضوضاء، صبرها ووعثاء الرحيل؟ أتبارح طفولتها على عجل؟ وتنهب مسيرها كيتيمة مبتورة القدم؟؟ وقد مرت على ديار الأحبة مودعة، فكل الشوارع وجهتها وكل الأرض قبلتها، وكل البيوت ضالتها، سلمى جعلتها شقيقة لها آوتها إلى حجرتها وقاسمتها سريرها البني، ضحكاتها امتدت إلى ما وراء الأفق، لكنها بقيت تجري في متاهة لم تفارقها ، لم تحررها بعد.

لقد شاهدتهن وهن يُصلين الصلاة الأخيرة قبل الذبح، كان بكاؤهن يبكي السماء، لكنها لم تبك سوى البراميل والصواريخ، دورها قد حان لكنها لن تذبح، همست إحداهن:"سنعلن العصيان، سنضربهم، سيصفعوننا، ستعمُّ الفوضى، قبيل الظلام تكونين قد غبت في رمال الصحراء" قدمها المبتورة والمارون على رمل صحرائها دونوا بدمائهم اغتصاب أحلامهم البكر وهي ذابت وإياهم في الغياب، في زمن ما كانت تهوى كتب الرعب ورواياته ولعنة الساحرات، أكن هن من يُسيرن لعبة الحرب وقرصنة الموت في بلادها؟ لم تعد تهوى الصور الملونة فقد اختزلتها باللون الأسود، تتسابق والكثبان الرملية والأقدام الفزعة، لم تعد الألوان تستهويها لقد هوت من مستطيل الصورة إلى سجن بلا حدود، النور السماوي خبأ وقد زاحمه رماد الحرب، دويّ القنابل والسماء الملبدة بغيم أسود تتبعهم بحلوى العيد بل ببراميل منها، لم تعد تقوى على النظر للخلف وهي تذوب كتمثال ملحي، عرقها يثير لذة الألم في قدمها المبتورة، لم تعد تستطيع رؤية جسدها وهي تزحف على غير هدى كثعبان أصم على الرمال الملتهبة، إلى من ستمد يدها وقد دفنت كل رفاق الأمس؟؟ الموت بحر تبحر فيه بلا سفن و زوارق وقد أضاعت طوق نجاتها، لحظة هي بين الموت والحياة التي تتراءى بغشاوتها أشباحهم أم لصوص الحياة أم خزنة جهنم؟؟ أيا كانوا فهي بين يدي أحدهم، هل ستكون بعد هذا بأمان؟؟

لقد تعلمت أن ترسم للغياب صوراً كثيرة باللون الأسود مع فسحة صغيرة من البياض، لكنها عندما رسمتهن، رسمتهن بكل الألوان، سعاد وسلمى، هيام وسحر وأسماء أخرى قد أنستها في مخاضها العسير لعبة الغميضة، وهي بالكاد تتراقص ذبالتها الناعسة أمامها، لعبة الشطرنج صارت ضالتها، إنها لعبة الحرب والانتصار، منطق المنتصر لن يهزمها، لن يهرم أيامها وكتابها، ستمضي وعيناها معلقة بالماضي، ومازالت ضوضاء الحرب شرخاً في ذاكرتها، كأوراق خريفية، تساقطت أحلامها مبكرًا وغاص لهاث الصغار وراء الشمس الأرجوانية، وأناشيد الحرية مازالت تصحو وتنام، كان عليها أن تتذكر فاتورة فقدانها لأهلها ويتمها، ليس بين الحرب والسلم خط فاصل لتذوب الأرواح في هدنة.

غاليليو قد اخطأ حتماً عندما جزم أن الأرض تدور في فلك الشمس، لكنها لم تكن كذلك، لم تكن الأرض كما زعم، بل كانت بلادها من تدور في فلك الموت والقصف يقتلها حيث يشاء، بقيت تبحث عن ماضيها عبثاً، وحيدة عند شجرة الخروب التي تحمل غرابيب سود ووحشة المكان، أنهكها السعي وراء فلول النهار وصفحات الليل تهوي سراعاً لتغلق ما تبقى من فهمها، ولكن من حولها يقدمون لها طبقا مزركشا نقش عليه"نحن معك".

بأقلامكم - على غُصن الزيزفون



يا فطرةَ الإلهامِ نحنُ ويا ضُحىً
أسرى مع الإصباح لحناً شامخاً وفنونا

 يا نطفةَ الحبرِ العريق في بِكرِ الحكايا
أسياد حرفٍ إن قاضى المحكّمونا

 كالخيلِ نعدو إن تظافرَ قولنا
والعينُ منا ترتدي ألفاً جفونا

 وأكفّنا خيطت بغرزٍ من ودادٍ
كاللوزِ نحلو كلما ازددنا جنونا

 يا لحنَ سحرٍ في حناجرِ حرفنا
قد ملّ داخلَ صمتنا صمتا، سكونا

 جئنا لننفضَ عن زنابقنا بريقاً
جئنا نراقصُ في عيونكم حباً شجونا

ونقولَ للفجرٍ المقدسٍ إننا
قناديلٌ سمت تعلقُ في سمائكَ زيزفونا 


جمانة الياسين

بأقلامكم - في عيد ميلادها


محمد بتش مسعود /الجزائر





الجوّ رائع هذا اليوم، شعور غريب بالسعادة ينتابني، اليوم عيد ميلاد أمّي.

جلستُ إلى مكتبي، قلمي المنهك أصبح نشيطاً، كتبتُ تاريخ اليوم..أمّاه..سأمحي من أوراقي كلّ ذكرياتي، سأجعل كلّ مساحات دفاتري بيضاء لكِ، سأنسى كلّ أحلامي الجميلة وكلّ ذكرياتي، لأتذكـّر عطفك ورعايتك، قطرات من صدرك الحنون تُنسيني طفولتي وفتوتي وشبابي، تمنعني من الرحيل عنك، تُجبرني للبقاء خادماً لكِ، تقتلني إن قلت لكِ يوماً أفٍ.

بكل البحور سأنظم عنك أحلى القوافي، بكلّ البديع سأنثر أجمل الأفكار، بكلّ الاتجاهات سأرسمك بأحلى الألوان، سأعزف بأحلى الألحان أروع السمفونيات لأجلكِ، ستُبحر كل مراكب احترامي صوب موانئك، سأنكس أعلامي إجلالاً لكِ وأرفع رايات الاستسلام أمامك، سأكتب عن عطفك ورعايتك بأروع الخطوط، وأهمس رافعاً صوتي بكلّ اللغات...أمـّاه .

ثنيتُ الورقة، ووضعتها داخل جيبي الضيق الذي بدا متـّسعاً هذه المرة، كنت أفكـّر في نوع الهدية...آهٍ تذكـّرت، الزهور البريّة، خرجت مسرعاً إلى الحقول، سأجمع باقة مختلفة ألوانها، ممزوجة بعناء بحثي وتعبي، الباقة تحوي صنوفاً من الروائح والألوان، ربطتها وقفلت عائداً إلى البيت، حين دخلتُ كان صوتي أسبق منّي..

"أمّي..أمّي"
"ماذا حدث ياولدي؟"
"أتدرين بما يذكرك هذا اليوم؟"
أطرقتْ رأسها تفكر..لقد تذكّرتْ..إنه عيد ميلادها
"إيه..ياولدي..الظروف أنستني..لقد كبرتُ"

قدّمتُ لها الهدية المزهرة، طبعتُ قبلة على يدها النحيلة، إنه مشهد لخادم يقبّل يد أميرته، ابتسمت، قبّلتني، وودعت لي بالخير، أحسستُ بالسعادة العارمة تغمر جوارحي، أنني أسعد مخلوق، خرجت ُوأنا أردّد في أعماقي..إنّي أسعد مخلوق..إنّي أسعد مخلوق.

التدوينات المنشورة في قسم <بأقلامكم> لا تعبر بالضرورة عن زيزفون 

بأقلامكم - يا صديق



سمية عبد الرزاق



يا صديق .. رأيت الدنيا مختلفةً اليوم ..

وكأنها اخضرت في فصل الشتاء قبل الربيع ..

وكأنها ترسل لي بعض الكلمات والرسائل التمثيلية لأنظر ملياً..

ولعلها تقول ..لا زال هناك أمل يا صديق ..

لا زال هناك شيء أعيش لأجله ..

لا زال هناك شروق للشمس كما الغروب ..

لازال هناك نجوم تتلألأ وسط الظلام ..

لا زال هناك بقية تتبع لم نراها بعد ..

باقية وتمدد الى لاشيء قد لا ندركه الآن..


التدوينات المنشورة في قسم <بأقلامكم> لا تعبر بالضرورة عن  زيزفون

بأقلامكم - الصفيح المحترق (2)

 

رولا حسينات

 



الصورة : خزامى عبابنة

كان ذلك قبل ثلاث سنين ولم يبقى لها غير محمود وهو في القدس، معلم شاب تخرج من الأزهر الشريف بعد أن درس في مدارس البيرة، محمود يحمل أفكاراً عدائية للأنجليز وللصهاينة، وينادي بالجهاد يروي قصصاً حدثت، لكن كامل كان منشغلاً بتطهير الصبيان دقيق في عمله يكسبه المال صنعة ورثه عن أبيه، ولكن والد محمود ملك المال ليذهب به ولده إلى الأزهر، ويتعلم ليصبح معلماً في القدس أو البيرة، قصصه عن عز الدين القسام أثارت حميته وكاد أن يحمل موسه ويقطع به الرؤوس، ويهوي مشرحاً جسد العدو المستوطن أرضه، وتاه أياما وليال في المنام، وهو يشد على زريفة بقبضته وهي تصيح وهو في المنام يركض وزريفة تصيح وهو يلهث والعرق يتصفد على جبينه وكرشه يتصاعد ثم يكرع كسنسلة سقطت من دوي ما، وانتصر وما بيد زريفة غير أن تنشب أسنانها في يده ليخلي سبيلها، فقد تحطمت عظامها من الضرب والركل.. أخذ شخيره يتصاعد وهي تزيد بالعض حتى استيقظ كامل من نومه العميق وبدا كالغارق في الماء، عيناه الدائرتين تقطران وحمرة تملؤهما، وشعره المتبقي الملتصق على صلعته قد انزلق على جبينه، نظر إليها وعلامات الغرابة قد صكت وجهه، وهي ما زالت منشبة أسنانها في يده، وقد تلاقت العينان، فانسحبت ولسان حاله ينبض بالشك حول رغبتها في إيذاءه وهي تتأوه من ضرباته الموجعة ومتيقنة أنه يؤذيها، وكيف لها أن ترزق بالولد وكامل يركلها؟؟ ولكنها اعتادت عليه وهو اعتاد على الحلم، فبات يمثل دور المنتصر منذ البداية، ومحمود يلصق أحلاماً عن البطولة، وأن الإنجليز اندحروا بهمة الأبطال ولكن الصهاينة حلوا مكانهم..

فما تراه يفعل كامل؟؟!

فليس معه غير الموس وصنعته..

بات الوضع مقلقاً والخوف يزعزع فيه كل قوته، هو يخاف من الموت ولكن زريفة تملئ عينيها بالحياة والموت معاً، فهي تريد الولد فقط تكويرة صغير تكفيها، ثم تموت وما تفتأ تذكره أن يحسن طهوره وغسلها..

ولكن لماذا لا يند لها جفن عند ذكر الموت؟ لماذا هي أقوى منه؟؟

بات القصف أشد والناس بدؤوا ينفرون.. كل لوجهته والنساء يتصايحن وخرجن من بيت الشيخ عبد السلام، والطفل والزوجة يصيحان:" إكرام الميت دفته.."

لكنه أمام أن يموت إلى جنبهما متوكئ على أحزانه العرجاء، حلمه بالولد خمسة عشر عاماً انقضت في ليلة، وما أطل الفجر إلا بعرس ميت، وقضت نصرية وانتهت المسرحية وما عاد غيره البطل، والقصف يشتد والسماء ملبدة بالغيم الأسود سراعاً يمضي إلى أرضهم ينتشر وبندقيته في صدر المضافة، حيث يستعيد ذكريات بطولة أبيه وجده في دحر الإنجليز والكمائن لعصابات الهاغانا، ولكنه هو هنا وهي معلقة تناديه طيلة تلك السنين، ما عاد يربطه بالحياة شيء وكل ما عليها انتهى، وقلب أرضه ينزف وبندقيته معلقة، بدت الصورة أكثر وضوحا ومعالم الطريق قد برز على طولها الدخان المتصاعد، كغيمة عالقة بين السماء والأرض، رفع يديه ليلتقط البندقية فارتمت بين أحضانه، تشكو الفراق..

وطاف بعينيه مودعا الوليد ونصرية وخرج، وما أن خرج من الدار حتى فجرتها قنبلة هوت عليها دون سواها ..

تمتم بجلادة القتيل:" هاهو يا نصرية إكرام الميت.."

ولم يجد الشيخ عبد السلام نفسه وحيداً أمام الطريق المعبد بالدبابات، بل كانت كتفاه متلاصقة مع الكثير من رجالات قريتهم وحتى النساء خرجن، كل خرج من داره والقصف يشتد ودمدمة الساعة بدت أقرب وأقرب، وبدا الليل أقرب منه إلى النهار، فقد اشتعلت الشمس وغابت بلا عودة هذا الصباح، فهو ليس كغيره من الصباحات..

فلم تفطن زريفة أن تعطر ثوبه المائل للصفرة فهو سيعيد ارتداؤه فهي إطلالة شمس الصيف حين تخرج الحياة بكل دفئها إلى السطح، عندما عاد من كثرة القصف ليطمئن عليها كانت تجلجل بصوت متهدج وتروح جيئة وذهاباً في أنحاء غرفتهم المغلقة، ضيقة الدار كما هي ضيقة عليه اليوم، وما أن أحست به..كان قد نزع رداؤه الثقيل وقد وقع بصره عليها على غير حالها قفزت من مكانها وهي تتأمله ملتصقا به جسده، أخذت تئن بصوتها المتهدج:" إنه وقت الفراق إنه وقت الفراق يا كامل، ولم يأت الولد بعد، وسأموت قبل أن تطهره.."

أصمته الموت، رائحته تفوح في المكان وهي تشعل ناره في صدره..:" سأخرج بسكين لأقتص لدم أبويَّ، هاهم قتلته جاؤوا إلى حتفهم.."

أخذت تهرول إلى النافذة الصغيرة المقوسة..:" هاهم هاهي دباباتهم تعوي كالذئاب تهوي لقصعتها.." وهي تلوح إليه ليأتي ويرى الصورة كاملة، ولكنه قد عرف ذلك قبل أن تتفوه به فهو يراهم أمامه كما في الحلم، كل تفاصيله أمامه، تعاد بنفس الترتيب، وهاهو يستل موسه من حقيبته ليؤوي لجدار سميك، ثم ينقض على الصهيوني ويقتلع عينيه، ثم يقطع شرايين الحياة وأوردتها، وهاهي تفر زريفة كما النسيم يقبله قبلة الوداع إلى الموت، حيث ستدافع عن كل ما فيها من حفنات للتراب، ولتمت بعد ذلك فلن تهوي لتغتصب هكذا أمام أعين الكون الأبكم، هي ستموت لتعيش أجيال بعدها ثم تموت ولتعش أخرى، وهو ينظر إليها هاربا من صمته وقلة حيلته، ليقف أمام الكون بصورة أكثر واقعية دون أن يبالغ في وضع المؤثرات..

هي كما هي بمؤثراتها وبموسيقاها الملهبة للحماس، حيث تهوى الرؤوس وتقتل الأنفس أمام المدافع والرشاشات، فلا يبين ضوء النهار..

وهاهو يركض رشيقاً كما لو لم تكن تملئ حشاياه الشحوم، ما باله غير أن يعمل بموسه قتلا في الصفوف، هو يقاتل بموسه المدافع والوجوه الجزعة من وراء الصفيح المحترق، وهو العالق بين أنفاس الموت والحياة، وكذا هم جميعا يتراكضون هنا وهناك بكل ما لديهم، ومن بين فسحة الدخان الأسود كان سالم من وراء الجدران يطلق القنابل..

سالم لديه قنابل وهي تهوي على الدبابة فتفجرها وتحرق قنابله الأرتال المتتابعة، وهاهم أهل قريته يضرمون النيران ببنادقهم، وبسكاكينهم يبقرون بطون أولئك الصهاينة، وهو يفعل فعلهم وصرخات زريفة تقتل هنا وتقتل بسكينها هناك، صيحاتها تشد من أزره والدخان يحرق أفئدتهم ويخنق أنفاسهم، لتدوي قنبلة المدفعية بين صفوفه، جعلتهم يتطايرون كالورق الهش إلى أشلاء مبعثرة، تلاصقت وأجساد الأحياء والجدران والصخر على جنبات الطريق الترابي، ورائحة الدم تزكم الأنوف المسكونة بوشاح السواد..

طفق يبحث كامل عن زريفة ولم تبين صيحاتها، وقلبه اهتز بين جدرانه وأخذ يقلب الأشلاء لم يدرك منهم شيئا، هذه يد الشيخ عبد السلام من الخاتم ذي الفص الزمردي وهذه قدم الحاجة رملية، فقدمها صغيرة وحذاؤها ذو وردة حمراء..

ولكن أين زريفة؟؟ هذا البطن الصغير المتكور يعرفه، بل قد إلفه إنه جزؤها العلوي، وقد تناثرت ساقاها إلى حيث أصبحت أوتادا لحرب أخرى..

هو لن يكتفي بالركض يحملها والحلم في أحشائها وشعرها الأشقر المغمس بالدم يتهدل على كتفه، ودماؤها تملئ ثوبه المائل للصفرة...

أخذ يصيخ السمع والبطن المتكورة ترتل..:" إلا تحزن أبي فادفني في رحم أمي الأرض..تلك أشهر معدودة ثم ستلدني حين المخاض والآلاف مثلي..."

النهاية

التدوينات المنشورة في قسم <بأقلامكم> لا تعبر بالضرورة عن  زيزفون

بأقلامكم - الصفيح المحترق (1)


رولا حسينات

 


لملم أشلاءها الممزقة وطار بقدميه لا يثنيه وقع القنابل ولا القصف، وأيٌّ مما يحيطه من بقايا أناس قريته، اصطكاك قدميه والدم المنشخب منهما، والمترهل من بدنه قد تعرى مما تمزق من قميصه المائل للصفرة، ولكنه قد مال لحمرة قانية...

صوتها يصيخ في أذنه:" كامل الشيخ عبد السلام رزق بولد ليلة أمس حين غاب الديك عن الصياح، كان وليمة حساء لزوجته نصرية.."

أومأ برأسه وقد فهم، لما فاتته صلاة الفجر؟؟ فقد أولم الشيخ عليه حساء لزوجته النفساء، ولكنه لم يولم اليوم؟؟ قطعت حبل أفكاره وهي تحمل حقيبته، وشفتاها المكتنزتين ما زالتا تتحركان بصفوف الكلام:" لقد شحذت لك السكين، قول الله على رزقك ورزق العيال.."

نظر على احتراز حوله، دار صامتا في نفسه:" العيال، كم تحبين ترديد هذي الكلمة يا زريفة؟"

تمتم في نفسه وهي تلهو بجديلتها وتلملم شعراتها الشقراء عن جلبابه الأزرق الذي يغطي ثوبه البني يرتديه في الشتاء، وفي الصيف يعدل عنه لقميص مائل للصفرة..

" وهو الذي تمزق من ثقل جسدك، زريفة تحبين الزلابية الممتلئة بالقطر وتتوهمين أنه الوحام لقد تورد وجهك زريفة، صرت يا امرأة أحلى وأجمل، ما أحلاها يدك الزبدة عندما تدفعين بها جسدي، فتظل تعمل فيه دوائر من الذبذبات.."

ولكن الحي معتم هذا الصباح وبيت الشيخ عبد السلام بلا أفراح ولا زغاريد، أتراها حلمت بمنام زريفة وروته له حقيقة، ولكن الوجوه عابسة تطل إليه تتمايزه وهو يحمل حقيبته، وفيها عدة الرزق: الموس والقطن والمطهر والشاش..، ولكن العيون الحانقة تشكه في الأرض كدبوس وما يرمقه من تحت أكوام اللحم المتهدل على الجفن، تنخزه نظرات الشيخ فتحي..

"عجباً ما لي لا أكاد أفهمهم اليوم نهاري عدم، دون صلاة الفجر، ولا عجب أن زريفة شكت من شخيري.. يقيم الميت من بعد الممات.." تمتم حين تعلقت قدمه بالخف البلاستيكي الأزرق أول درجات الدار الخمس، كانوا جميعا مطأطئين الرؤوس، لا أحد يريد أن ينبس بحرف، سلم وإجابات متلعثمة ردت عليه بفتور هنا، واكتفت بالإنصات هناك..

غفت الشمس في مكانها فلم تبارحه طيلة ساعات من بعيد صحوتها..

"اليوم غريب.." همس وهو يلوح بيده كمروحة ليزيح الثقل عن صدره، أصوات النسوة شق جدار الصمت صياح وعويل، وأرجع الرجال أصداءها وأخذت تتقلب أكفهم ذات اليمين وذات الشمال..تلهج ألسنتهم:" لا حول ولا قوة إلا بالله، لحقت بالولد.."

أدرك كامل المطهر أن الولد قد مات فجراً، ولحقته أمه بعد ساعات حين أكتفت الشمس بوشاحها الأسود، وبينهما أولم على الديك، وما استيقظ لصلاة الفجر.."

ومن بعيد دوى انفجار كبير رج الدار وتخلخلت عظامهم من مفاصلها، والدخان الأسود بدا يعتلي أسطح المنازل عند البيرة وهم في قريتهم دير نظام على بعد ساعتين من قلبها ومساكن الأتقياء والشيخ يوسف، بالسيارة المتهالكة التي يبقي أبو جابر يومه يحركها على المناويل، وفوق ذلك يكدس فيها الكتل البشرية فوق بعضها، مع أكوام البيض وأقفاص الدجاج البلدي، ولم يكن هناك ديوك غير ديك الشيخ عبد السلام الذي قد ذهب ضحية لوليمة بفرح مسروق، والمنسوجات تتطاير عند كل عثرة في الطريق الترابي، وصياح الحاجة رملية خوفاً على منسوجاتها يتراشق مع بعض التعنيف، كل منهم يريد أن يعرض ما لديه في السوق الكبير عند الجامع القديم وبير الماء، وفرصة للتبرك بقبور الأولياء الشيخ شيبان والشيخ يوسف، ولكن سالم دوماً يجلس القرفصاء بمؤخرة السيارة الصالون مع أكوام الأقفاص، دوما متكتلاً على جسده قابع في صمت دفين، النظرات تمزقه.." مال سالم والبيرة؟؟ أين يذهب ساعات يختفي عن أنظارهم وهم يحملون بضائعهم، كأنه فص ملح وذاب؟؟!"

ولكن زريفة دوما تقول عند سالم حكاية وحكاية كبيرة كثير، عندما ذهبت وكامل للتبرك عند الشيخ يوسف ولتشرب من ماء الحياة عند البير، وما تزال تذكره في كل حين وهي تحرك السكر في استكانة الشاي، قبل الخلود للنوم دوما تقول:" جدتي أم الحنايا، كانت داية والنسوان يشكون قلة الحمل والخلفة فتنصح بكوب الشاي الثقيل قبل النوم.."

لكن كامل لم يجد علاقة منطقية بين كوب الشاي الثقيل والخلفة، وزريفة تعشق العيال في باكورة كل صباح تفتح قن الدجاجات وتتفقد منهن من فقست بيضها ومن لم تفعل، فتهرع ببقايا كسر الخبز المبيت المشبع بالماء، تضعه أمامها لتطعم صيصانها..

زريفة لم تكمل الثامنة عشر وتزوجها كامل وهو في أواخر الثلاثين، فقد مات والديها في طريق العودة من تجارتهم بالدجاج على طريق البيرة، بتفجير قنابل نسفت الطريق ومن عليه قيل:" لم تكن هناك أشلاء لتجمع، فلم يدفن أحد حينها.."

يتبع >>

التدوينات المنشورة في قسم <بأقلامكم> لا تعبر بالضرورة عن  زيزفون

بأقلامكم - على سرير الحياة يسقط الموت



رولا حسينات



اعتلت وجوههم غيمة من الصمت، وقد تدلت الأنابيب المتعلقة بأنفاسها، النبض في نزره الأخير و رعشات القلب موج ساده الصمت، وهي ممدة على السرير الأبيض كتلة متفحمة لا يرجى لها من بعد الفناء البقاء. تمعنت في صمتهم الميت وغابت في حجرة قلبها المنكسر، شريط الواقع أيقظته بنداءاتها المعتقة بالآهات والصرخات، زفرات تُصَّعِدُ غضبها وقد تشابك وطيات نفسها ولفائف الأحزان.

أمعنت النظر في رمل الطريق والشمس الناعسة، تلملم رداءها الأحمر والرضيع في المهد، أي من نسمات الليل ستغني له؟

أصوات أعادتها للوراء:" لقد كبر بطنك يا بثينة، لا شك أنه موعد الولادة"، "الألم يزداد ، لا أستطيع التحمل يا صابر.."

"لكنك ستصبرين يا بثينة، لا تقلقي ستعودين للبيت والرضيع على صدرك."

الرضيع يبكي فرحاً بتقديمه قرباناً لأفواه البنادق والمسلحين..."الطفل يبكي كثيراً يا صابر."

تنفرج أسارير دموعها وهو يكاغي، وكأنما اتفقا على صيغة الحب الأول، صوت الجدة يقاطع لغة العيون: "تحضري لأسبوع الرضيع يا بثينة، سنغسله ونعطره ونضع له الحزام وسنبخره، أعلم أنك تتوهمين أن البخور صحراء من المتفجرات، ولكنك ستقطعين الماء أيضاً، لا تخش شيئاً، فلدي سبحة الألف ألف حبة، سنصلي والنسوة على النبي، لا تقلقي يا صغيرة الجدة زريفة لديها سبحة طويلة فيها ألف ألف حبة، اهتمي فقط بصرر الحلوى تفرحين بها قلوب الصغار..."

بصخب ما بارحت مكانها وهي تفرك اليدين: "سيأتينا الكثير من الزوار يا صابر، ولم أتم إعداد أي شيء."

" لا تقلقي يا بثينة فقط اهتمي بنفسك والصغير.."

الليل يهبط سريعا وطوفان الموت يقترب من البيوت، وأصوات البنادق تعوي كذئاب الليل، والكل نائم يحلم بالشهادة، ولكن الرضيع مستيقظ يكاغي، لما لا يبكي؟؟ لما فجأة توقف عن البكاء؟ أيريد أن يلعب لعبة الغميضة مع المستوطنين؟ لا يريدهم أن يكتشفوا مهده بسرعة، ليمهلوه بعض الوقت ليشرب الحليب ويتعلق بيد أمه، ليعدّ ضربات قلبها وليضحك، ليحبو ويطلع السلالم، ليشتري الحلوى من دكان أبي سالم عند المقبرة القديمة، ليذهب إلى الأقصى مع صابر ويسبح في سبحة الجدة زريفة، ذات الألف ألف حبة.

"أشم رائحة شواء بشري، يا ويلي..استيقظ يا صابر، إنها قرية الجدة زريفة إنها تحترق، لقد جفل الليل، ونجومه قد أفلت، وانبجس القمر شاحباً، أرسل نوراً ضئيلاً أكلته النيران المتصاعدة، أصوات النساء تتعالى فوق الشبح القادم ثم تخبو في نيمتها الأبدية، رصاصات المستوطنين تحملها الرياح ورائحة الشواء. قلبي يكاد يخرج من بين أضلعي، دعنا نذهب..، دعنا نخرج من الباب الخلفي إلى أقرب سيارة تقلنا والرضيع، ليعيش الرضيع بلا قيود ولا أسوار بعيدا عن رائحة الشواء."

امتقع وجهه حينها ونطق بغليل متأجج: "إنها أرضي يا بثينة وأرضك ألا تذكرين؟ ما لك تنسين؟ ألم نتعلم أن الأرض أغلى من الولد والنفس والروح؟ أم أن الرضيع أنساك إياها؟؟!"

ارتجفت: "إني خائفة.."

"لا تخافي أم الرضيع، فإما النصر وإما الشهادة، رددي معي أغنية الوطن..

بلادي بلادي بلادي ......لك حبي وفؤادي

أرضعيها للصغير وكاغيها له، علميه إيِّاها بألف ألف لغة، فللوطن لغات عديدة يفهمها كل من دبت قدمه على الأرض"

الليل يكاد يطوي أستاره ويكشف النهار عن خيوطه البيضاء، وأنفاسها المختنقة محمومة غدت وقطرات العرق تتصبب على الجبين..

لوحة القلب قد تغيرت ولفحة من الأمل تسللت بينهم، هاهي تتحرك تنتفض وهي تصرخ في أعماقها: "آه، لا، لا دعوه لي، إنه صغيري وليدي الوحيد، دعوه يحبو ويكاغي ويتعلم حروف الوطن، لينقش اسمه على صدره ترسا يتلقى فيه الرصاصات"

فزعة تجر رداء السرير الأبيض، صابر يلهث وراءها ورائحة الشواء وألسنة اللهب تتراقص في حجرة الوليد، تلتهمه في المهد وهو يكاغي، لم يتعلم كيف يجري، لم يتعلم أن ينطق الحروف، ولا نطق الله أكبر..

صرخت بأعلى صوتها المبحوح:"دعني لا تمسك بي، فألسنة اللهب تداعبني فليس الرضيع أشجع من أمه، ماذا سيقولون حين أبعث خلقاً جديداً؟؟ رمت بابنها في اللهب ومضت إلى البرد والسلام، صغيري لا تغادر وتتركني، دعني لتلتهمني النيران وإياه يا صابر، أتدرك أنك ستحترق معنا، سنحترق وليرقص المحتل على قبرنا، على درج بيتنا، في غرفتنا هذه وعلى رمادنا في البيارات، فما لنا من آلهة وما لنا من معابد وليس لنا آلهة دون الله لنعبدها كأمثالهم، لكني فقط أقول الله أكبر..."

خمد الجسد على السرير الأبيض، أرفعوا جهاز التنفس فقد توقف القلب.

التدوينات المنشورة في قسم <بأقلامكم> لا تعبر بالضرورة عن  زيزفون

بأقلامكم - نواطير المدينة (2)

 

قصة قصيرة
بقلم : بتول الطاهر



كان لقاء ريتا بصالحة حين عادت عائلة دانيال إلى حيفا بعد أن كانوا قد سافروا إلى روسيا فترة طويلة ليكمل دانيال دراساته العليا. كانت صالحة في زيارة مع العائلة إلى البحر في الإجازة السنوية، أو حين تُعطى التصاريح لعرب القدس و الضفة.

صالحة من غزة، لكنها مقيمةٌ في القدس. تعرّفت ريتا على صالحة و بَنَتا خلال التواصل على أحد الشبكات الاجتماعية علاقةً وطيدة. ولعل من أحد الأسباب التي ساعدت على بناء تلك العلاقة سريعاً أن صالحة مثل ريتا،" فلسطينية يهودية". و لكن عائلتها من جماعةٍ يهوديةٍ مختلفة تسمى "الحريديون"، تعد هذه الطائفة جماعةً معارضَة للصهيونية، لا تشارك في الانتخابات الاسرائيلية وترفض أي مساعدات من الحكومة وغيرها.

ولّد هذا بعض التوتر في علاقة العائلتين، بواقع عمل دانيال، ولكن الصبيتيْن لم تأبها بهذا بتاتاً.

و الذي ميّز صالحة عند ريتا أنّها -الوحيدة في عائلتها منتمية الى حركة سياسية تُدعى "ناطوري كارتا" أو بالعربية " نواطير المدينة" التي ترفض الصهيونية بكل أشكالها وتعارض وجود دولة اسرائيل...

كم يشبهها هذا !!

كنتُ متخوفة في البداية من أن أنتسب إلى أي حزب سياسي،.. فكرتُ ملياً بالأمر، أقنعتني صالحة بالحركة وأهدافها وفلسفتها، وجدتُ نفسي فيها. حين ملأتُ استبانة الانتماء، لم تكن صالحة معي، كنتُ أرتجف، وكنت لا أصدق متى سأعود لأهاتفها، وأزف لأبي خبر انتمائي لهذه الحركة. ستكون مفاجئة من العيار الجميل*.

غزة 2014

- نعم.. عليكم بالمنطقة صمن خطوط طول 160 إلى 165، هناك تكثّف سكاني للجماعة و عائلاتهم.

- تم ذلك يا دانيال.. اتصل بعائلتك ودعهم ينهون زيارتهم مغادرين القدس حالاً ويتجهون إلى حيفا، الوضع متأزم في هذا الوقت، و قد تصاب القدس أيضاً بموجة من هذا التأزم.

-حالاً.. انصرف!


لم تنم ريتا الليلة تلك أبداً، وجه صديقتها صالحة أنّبها طوال الليل، مخروق بالقذائف الساخنة، خرقاته سوداءٌ كسواد الحرب. كيف صمدت؟ كيف وقفت؟ كيف بقيت؟

تقول ريتا: كنت أقنعها طوال ليلة البارحة أن تترك غزة و تأتي إلى حيفا لتكون بمأمن من الأحداث الدامية فيها، كانت تلح أنها لن تغادرها قبل أن تطمئن عليها، ها هي ذي قد اطمأنت تماماً!

كيف استطاعت أن تنظر إلى وجهها هو بهذه الهيئة، اغتمُ أنا حين تظهر على وجهي بثور شباب عادية، و أنا اعلم أنها قصيرة الأمد وزائلة، كيف هي؟ والشظايا الساخنة قد أكلت من خدها الثلجي. ساعدني يا الله، خلصني من ثرثرة ضميري، لستُ أنا المذنبة، ولا أبي، ليس أبي.

ترمقها راحيل بنظرةٍ لا تفسّر، فيها من الخوف الكثير ومن التوجّس من أن تدلي بأي سؤال يربط لسانها عجزاً عن إجابته الكثير.. راحيل تعلم كل شيء!. تلت ريتا آيات قصيرة من التوراة محاولة بعث الطمأنينة إلى قلبها، ونامت على المقعد أمام غرفة صالحة في المشفى.


قتلتُكَ يا أبي!!

و حفاظا على الألقاب.."أبي كما لم تكنْ من قبل".

ريتا.. ابنتكَ المدللة قتلتْكَ يا أبي، المدللة لدرجة لا توصف ولا تشبّه بشيء، التي كانت لا تطلب طلباً إلا و يلبى لها؛ من طلبِها تغييرَ اسمها الذي يناديه بها الناس إلى ريتا عند افتتانها بأغنية مارسيل خليفة، إلى طلبها أن تسكن بيتَ جدها القديم في حيفا.

ابنتك الوحيدة سمعتْكَ يا أبي، كنتَ تصرخ ليلاً، الليل شاهد عليك، ربّ موسى شاهد عليك! " اضربوهم، F16، الأوغاد، سينتهي أمرهم، حي الشجاعيّة".

صالحة من الشجاعيّة، رفيقة دربي، التي أمسكت بيدي نحو منعطف جريء قلب حياتي رأساً على عقب، صالحة التي كانت كغيمة، تماماً كوجه المرابطات بالقدس، ماتت بقذائفكم!!

ابنتك الجميلة –كما كنت تخبرها- شاهدتك يا أبي، حين احتفلتم بعد تدميركم أحياءً من قطاع غزة، وأقمتم حفل عشاء لتكريم القادة المتميزين، رأيت تميّزكم في وجه صالحة!. شاهدتك على التلفاز بالقميص الذي كويته لكَ الليلة الفائتة.

ابنتكَ الكبرى صارت كبيرة يا أبي و صار لها الحق أن تنتمي لأحزاب و حركات سياسية. أتذكُرُ يومها؟ كنت متشوقة لأعود وأخبرك بأنني صرت ناطورة لفلسطين، وأنني سأكمل مسيرة جدي، لكنني لم أجدك، و قصة إصابة صالحة قد أجّلت جميع مخططاتي، كنت سأخبرك قبل الجميع، و لكنني تأكدت أن عدم معرفتك حتى النهاية كان من صالحي.

و كان من صالحي أيضاً أني كشفتُ حقيقتك قبل يوم تصويت الحزب على شنّ الغارة على تجمعكم بأسبوع[1]، حتى أثأر لنفسي، حتى أعرف ماذا علي أن أفعل، لأنتقم.

أنا التي قتلَتكم.. في الحزب ما يقارب الخمسة آلاف عضو،، انتسابي أنا و تصويتي على شن الغارة ، كان عن مئة صوت، لأنه غاضب، وحجته قوية، من أجل صالحة، صوتي كان كل الأصوات، من أجل حيفا التي أصبحت إسرائيل بوجود أشباهك، من أجل كذبك علي، وخداعك لي، خداعك لفلسطين، أنتَ لم تحبها لحظة واحدة، لم يثمر فيك يا أبي ما استنشقته من نسيم البحر، لم يثمر بك كلام جدي العظيم، الذي قرأتُه في الجرائد.

أنا التي سأصرخ اليوم -مُؤنّبةَ الحشد ، و ليس درويش: "هذا البحر لي، هذا الهواء الرطب لي".

سأعود إلى حيفا مع جثة صالحة، سأعود الناطورة المنتصرة، سأعودُ "ريتا دانيال موشيه" بدون الذي دُوِّن على سجلاتكم بـ "الشهيد دانيال موشيه".

قتلتكَ يا أبي، وداعاً يا أبي، أحبكَ يا أبي.

أحياناً.. نسير منقادين نحو طريقٍ بظنٍ ما ، وتخيب الظنون.. فنجد لاحقاً أن خيبة الظنون تلك كانت هي الفوز الأعظم..

__________________________
*النصوص المكتوبة بخط عريض هي صوت ريتا
[1] هذا الحدث غير واقعي، جرى اختلاقه لإكمال سير مجريات القصة، لم يسبق لهذه الجماعة شن غارات على أي مركز عسكري، أو إحداث عمليات شغب، بل كانوا هم من يتعرض للضرب في منازلهم من قبل جيش الاحتلال بسبب معارضتهم للكيان وامتناعهم عن التصويت.

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - غناوية زعيم 2

 

عبير البياري 



ستي يا ستي اشتكتلك يا ستي .. بما أنه "الزعيمة" مسافرة، فإني مشتاق وفي قلبي لوعة. و عسيرة ستي والسفر والطيارات وليالي السمر..إتذكرت غناوية من غناويات ستي الله يذكرها بالخير، من غناوي الزمانات أيام "الدي جي" الأصلي، واللي إيقاعه السحجة والزعكة (اااييييهاااا أو اويييييهااا حسب إذا كانت الحجة مدنية أو فلاحة) وهوي صوت يصدر من قلب و رب، واللي في الجبل الثاني بسمعه و بيجي قبل الزغرودة، و خوف الله يمكن يكون للتحماية!

والزغاريد والطبلة اللي نغمتها موحدة بكل الأغاني، واللي أكيد هلا بتكون تلحنت في بالك (دن دني رح رح دن دن دح) و يا حسرة على غناويات زمان! و الي إتبدلت بالاستيريوهات، هلا صحيح هي أحياناً بتكون مش مفهومة وكلامها مركب، وبذكرنا بالرابط العجيب تبع سبيستون، بس والله كان إلها طعم تاني، وما إلنا بطول السيرة الغناوية بتكول:

"لأطلع عالطيارة فوك واحلحل براغيها، والشباب اشتشال (اشكال) ألوان يا عريس (الاسم و عالأغلب محمد) يا محليها

لأطلع عالطيارة فوك و احلحل مروحتها، والشباب أشكال ألوان والعريس نوارتها

لاطلع عالطيارة فوك واحلحل جنحاتها، والشباب أشكال ألوان و العريس سلطانها"

فكفكن الطيارة و حلحلنها، وما خلن برغي ساغ سليم، له يا حجة تقول مثلث برمودا مش هيك! أنا قلت قبل هيك انه الزعيمة متخيلة حالها عراس الجبهة فوووق، بعدين مرقت طيارة العدو، وطلعت معها الغناوية .. بس ليش الحكي؟ عهاي الأغاني كانت تقوم أعراس و حفلات و تعاليل فلسطين كلها، و برأيي لازم نعمللهم ألبوم و نصير نسمعهم عالراديو.

و بالنهاية و بلا طول خراف، الله يخلي أجدادنا و جداتنا، ويرحم من راح منهم و يتغمد أرواحهم الجنة.

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - بين أروقة الحياة شخص رائع



مرام أبو عيد


إلى من جعل قلمي يتوه عن باقي الكلمات ليكتب عنه..

هو شخص غير عادي حاولت أن أصفه بخيالي بكلمات بسيطة، ولكن فجأة توقف القلم عن الكتابة، عاكستني الحروف، وأعجزتني التعابير عن الوصف، وقفت في حيرة من أمري ما الذي حصل لي؟ لا استطيع أن أخط حرف لك! حاولت البحث عن حروف وتعابير تترجم وصفك أدركت حينها أنني محظوظة، أملك كنزاً لا يملكه أحد، كنز نادر الوجود.

في هذه اللحظة عـبارات كثيرة تدور في خلجات صدري، ومعاني مختلفة، أقف عاجزة عن كتابتها له. فله مني كل مشاعر الحب الإحترام والتقدير، مغروسة له في قلبي التي لا تذبل ولن تذبل، فلا تزال سفينتي تشق عباب البحر لتلتقط الكلمات التي توفيه الحق، ولا أظن أن تجدها. ولا تزال الكلمات تتزاحم وتتصارع، تريد أن تخبره عن مكنونها وعما يدور في مخيلتها.

إليك يا أغلى البشر عندي، إليك يا من كنت لي أبا وأخا وصديقاً، تمسح دمعتي إذا سالت، وتواسيني إذا ما جار الزمن، وتمدنى بالرأي والمشورة كلما احتجتك. إليك يا من بك ومنك استمد ثقتي وقوتي في التعامل والتعايش مع من حولي.

خالي الحبيب..كنت لي عونا على جور الزمان كنت لي قلبا صادقاً ابث له حزني وشكواي، وأجد لديه الحل اليقين. وحتى وإن اختلفنا في الآراء، أكون مطمئنة بأن اختلافنا لن يضيعنا، وهذا دليل صداقتنا وعمقها، ودليل جمال روحك ورقيها.

بك يا صديقي عرفت أشياء كثيرة، وتعلمت الكثير، وارتقيت بفعل أفعالك الرائعة. كنت لي كمثل المرسى للسفن التي تصل للميناء تعبة من مشوارها عبر البحر، وتلاطم أمواجه على جوانبها، فتسكن وتهدأ في مرساها، وأنت كذلك بالنسبة لي أنت مرسى نفسي، إذا تلاطمت بي أمواج الحياة وعواصفها.

قد أكرمني الله بشخص لو كتبت عنه بماء الذهب وقطرات الفضة لن تصل لمعتها الى لمعة ذاك القلب المخملي. لم تكن هذه السطور مجرد كلام جميل عابر، ولكنها مشاعر قلب عاشها حرفاً حرفاً.

 التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - اذكروا محاسن موتاكم




رزان خلف

 


رائحة موت تقترب منا شيئاً فشيئاً، وساوس دنيوية تلغي إحساسنا باقتراب تلك الرائحة، تارة تنفي، وتارة تؤكد أنها ستستحوذ على أنفاسها، تتغلغل بجسدها، بثيابها ،بأنحاء غرفتها، وأي غرفة ستقطنها.

بدت الدنيا تراوغ وتراوغ لتخدعنا أنها ستبقى ولن تذهب بعيداً، ما هي إلا وعكة صحية يمر بها أي كائن بشري، لنطمئن ونختصر الزمن ونعرج على تلك الأوقات كأي وقت عادي مضى..

أوقات لربما كان علينا أن نقضيها بقربها، لنفرح قلوبنا شغفاً بها ولرؤيتها، ولكن للأسف استطاعت الدنيا أن تغلبنا بوساوسها، وقضي الوقت دون أن نلقي له بالاً، ضاعت منا لحظات من عمرها الذي انتهى، لم نلمس يديها المجعدتين، لم ننظر لوجهها الشاحب المصفر ملياً، لم نترقب ضحكاتها المليئة بالاستسلام للموت، وترحيباً بملك الموت الذي صاحبها لأيام عدة، لطالما كانت تأن، لم أحس بأنه أنين ألم، وإنما أنين وداع، أنين اكتفاء من الحياة..

لم يكن بيدها إلا ندائنا بأنينها، فروحها تعلقت بإحدانا، لاأدري من هو بالضبط أهي أنا؟ أهي أمي؟ أهو عمي؟ أهو ابن عمي؟ الذي أدركه أن حال اكتمال العدد ورؤيتنا جميعاً بدأت تصافح ملك الموت الذي رحبت به لأيام، هل كانت تستعجل قدومه؟ أيعقل أنها ملّت منا؟ أيعقل أنها لم تكن ترغب برؤية المزيد منا؟ من حياتنا؟ أيعقل أنها لاتملك لو القليل من الشغف والفضول لرؤيتي بفستاني الأبيض؟ لاترغب برؤية أخي وهو يكبر ويتزوج؟ وأبي وهو يفرح بنا ؟؟! ألم ترغب برؤية حفيدتها الطفلة الصغيرة بيومها الاول بالمدرسة ألم ترغب؟ وترغب وترغب وترغب !!! أسئلة لاتنتهي ولن تنتهي تدور بذهني كحلقة مغلقة ..

أصبحت كالملاك بمخيلتي لا أستطيع تذكر أي سيئة لها، فهي كالملاك الأبيض لا يشوبه شيء.

رحمك الله يا جدتي

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - يوم جديد

 

شيماء شادرمة

 


هناك..حيث الشمس توقظني بأشعتهان كأذرع حانية تداعب وجهي بحنان، لأستيقظ من جديد، وقد ودعتُ ذكريات الماضي، من فرح وترح، وقمت بتوضيب كل تلك الذكريات في حقيبة، وأرسلتها مع أشعة الشمس، لتذهب بعيداً بعيداً وأبدأ.

أنا من جديد..حياةً جديدة مختلفة بعض الشيء، رغم أن شخصيات حكايتي ما زالوا نفس الأشخاص، ولكن سأحبِك حكاية جديدة، والبطلة في هذه الحكاية هي أنا، والبقية هم ضيوف شرف لا أكثر، فأنا الكاتبة والمخرجة في هذه الحكاية!

نحتاج في بعض الأحيان أن نجلس مع أنفسنا، ونتحدث قليلا ًمعها، لأنها مصدر إبداعاتنا، ومنبع إلهامنا، لا أحد يستحق دور البطل في حكايتنا سوى أنفسنا، ولا أحد يستحق الاهتمام والحب إلا من خلق هذه النفس، وأبدع في صنعها. فمن أشرك الله في حبه لن يتذوق طعم السعادة، لا أحد يستحق أن نعيش لحظة شقاء أو عناء بسببه.

اهتمامنا بإنفسنا وذاتنا يفرض على الناس احترامنا وتقديرنا، فلنتكلم كما نشاء، ونرتدي ما نشاء، ونأكل ما نشاء، ونتصرف كما يحلو لنا، دون أن نكترث لأحد، ما دمنا على الطريق الصواب. فكلام الناس زائل، ولكل شخص رأيه، وإرضاء الناس غاية لا تدرك، لنسرح في خيالنا قليلاً، ونتحدث مع الجماد، وليقولوا عنا مجانين؛ لا بأس إن كان الجنون يسعدنا..فليحيا الجنون!

هي حياتنا حكاية، ونحن من نؤلفها، لذلك فلننتقي كلامنا، ونتقن نسج الحكاية، لنكون رواية يحتذى بها، ويضرب بها المثل. 

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون 

بأقلامكم - نواطير المدينة (1)


قصة قصيرة
بقلم : بتول الطاهر


-أنتِ فلسطينية؟ -نعم.

-أنتِ يهودية؟ -نعم.

حيفا- فلسطين-1945م

"موشيه" يدخن النارجيلة متجلّياً، و"صوفي" تجاوره جالسةً و غير جالسة؛ متأهبةً لتجيبه إذا ما طلب شيئاً. الساحة أمامهم تضجّ بالصغار، أبناء جيران الحي ومعهم ابن موشيه الوحيد "دانيال". يصيح بتسلّط أبٍ حنون: "احترس بابا، لا تقترب كثيراُ من البحر". كان هذا البحر يأمل أن يثمر بهم ما استنشقوه من نسيم نقي، لا مكان على وجه الأرض هذه بإمكانه أن يَهِب نسيماً مثله، لا مكان سوى بحر حيفا..

عائلة موشيه تعدّ من أقدم العائلات اليهودية في منطقة فلسطين ودول الجوار، كان جد موشيه أحد المعارضين للمؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدينة بازل السويسرية عام (1897) فقد كتب مقالة يعارض فيها توصيات المؤتمر التي أكدت على إيجاد وطن لليهود.

كان المجتمع في حيفا مجتمعاً منسجماً ومتوافقاً لأبعد الحدود بالرغم من تنوع مشاربه الدينية والعرقية، وكأنه لوحة فسيفسائية، كان جمالها في تآلف اختلافها. كان المسلم يسمو في جمعته، واليهودي في سبته، والمسيحي في أحده. بكل احترام ودون مبالغة.

جاءت النكبة وغيّرت حتى مسار الغيم، غيرت الجمال والقبح، عكست ما كان مسلّماً أنه ثابت وباق كبقاء البحر ذاك. عندما كُشف المخطط الذي بقي سرياً لسنوات طويلة، والذي كان ينصّ على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين والذي كان وراءه أربعة طلاب يهود، اختلطت المفاهيم واندمجت، ولم يعد بعضنا قادراً على أن يعيَ الفرق بين لفظة "يهودي" و لفظة "صهيوني"، ربما لو قررنا أن نفكر بمقدار ضئيل أكثر من تفكيرنا حين نحصي الفروقات العشر بين صورتين في جريدة لكان الأمر حينها على ما يرام. !


اليهود في الداخل.. كيف سيكون موقفهم؟ كيف سيواجهون العيون الجاحظة تلك؟ الحمراء كأنها اختزلت داخلها كل الدماء التي سالت في حرب النكبة؟ هاجر بعضهم خجلاً، وانطوى بعضهم على نفسه وعلى ذكرياته العتيقة التي لا يمكن ان تشبّه إلا بجمال بحر حيفا.

عائلة موشيه بقيت هناك.. إلا أنها رفضت بحزم وقوة عملية التجنيس الاسرائيلي، -لا وجود لدولة إسرائيل- هكذا كانوا يقولون. كما رفضت أيضاً أن تترك حيفا إلى أي مكان اخر، قاومت ذلك بثبات، وعلى قلب رجل واحد فترة طويلة من الزمن. إلا ان ذلك حتماً لم يكن من مصلحة الدولة الإسرائيلية، فرفْض أحدٍ من رعاياها الجنسية سيولد حتماً خللاً وفراغاً قانونيْين، فما فتأت بالضغط عليهم حتى أجبرتهم على التجنّس في الثمانينات من القرن العشرين. تسلّم موشيه جنسيته المشؤومة يوم الجمعة و مات يوم السبت، يوم سموّه المنصرم، يوم عزّه!


- ريتا: بابا ألن تصطحبني معك لأصوّت أنا أيضاً؟

- دانيال: بقي أمامك سنةً واحدة يا بابا حتى تصيري في السن القانوني للإنتخاب، اصبري سنة واحدة و بعدها ستستطيعين أن تشاركي بصوتك في انتخابات الكنيست.

كبر دانيال و كبرت ابنته ريتا..

خرج دانيال و زوجته راحيل معاً و بقيت ريتا وحدها تحتسي فنجان قهوتها مع قطعة حلوى كبيرة أمام البحر في منزلهم في حيفا، نفس منزل طفولة دانيال، الذي تمكّن من شرائه حين بدأ العمل في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وحمل وعائلته الهوية الإسرائيلية العسكرية، كان له فقط أن يختار أي بيتٍ يريد!

وقعت عينا ريتا أثناء شرودها على الدرع الكبير المثبّت على الحائط، والذي يثبت أن دانيال يعمل في الجيش، اغتمّت.. ورجعت في الذاكرة إلى أول يوم دراسي لها هنا في حيفا.. سألها الطلاب:

- أنتِ فلسطينية؟

- نعم.

- أنتِ يهودية؟

- نعم.

-وبدأوا يتهكمون شأنهم شأن الأطفال في عمرهم، وحدها ريتا أصيبت بنوبة صمت وخيبة.

سألتْ والدها فور وصولها: "لماذا تهكم عليّ الطلاب بهذا الشكل؟" أجابها وغضبه قد وصل حدّه: "عربٌ أوغاد! سأنقلك الى المدرسة التابعة للقيادة، كنتُ مخطئاً حين قررت ان أبقيك بين العرب للحفاظ على هويتك الفلسطينية،، فلتذهب الهوية الى الجحيم".!!

عندما يصرخ دانيال لا مجال للكلام حتى.. طوت ريتا تساؤلات كثيرة داخلها و قامت عن الطعام.


أنا أعلم الفرق الكبير بين أن أكون فلسطينية وبين أن أكون يهودية، الأولى جنسيةٌ يحملها الأشخاص في محفظاتهم تثبت أماكن سكنهم، و ما أكثر من يحملون جنسياتهم كحملهم كيسَ خضار، ليس بينهم و بينها شيء بتاتاً. أنا عن نفسي.. أؤمن أن حيفا هي فلسطين و القدس هي فلسطين والبحر والساحل أيضاً. أما الثانية فهي ديانة، و ما أشد ما وقع على هذه الديانة من ظلم.

مقالات جدي قالت هذا، جدي الثوري الذي قيل لي أنه مات حزناً على ضياع الأرض، جدي الذي قال أن الارض هذه هي أرض الفلسطينيين، جدي الذي اعتقل سبع مرات بسبب كلامه. كنتُ بعد كل مقالة ألمحُ لي جذراً جديداً قد نما و توجّه نحو الأرض دون علمي، حاولت قول هذا لأبي أحياناً كثيرة، حاولت إخباره أنّني مكبّلة بالجذور ،لكنه كان في كل مرة يهزمني في النقاش..*


السؤال الآن: ماذا عن الصهيونية؟
سألتْ أباها مراراً و تكراراً عن القضية، هل نحن السبب في كل هذا الدمار الواقع على الفلسطينيين؟ أنت في جيش الدفاع، كيف تقوى على إلحاق الضرر في أهل بلدك؟ يجيبها دانيال حاسماً الأمر: "لست أرى الأرض هذه سوى فلسطين العربية، أنا أعمل في جيش الدفاع حقاً، لكن عملي هذا ليس له دخل أو شأن في كل الدمار الحاصل في غزة و المنطقة، عملي مقتصر على الشؤون الهندسية في الوزارة، أنا لم أفكر أن أعمل في هذا العمل إلا من أجلكم، ومن أجل حياة أفضل لكم. هل تعتقدين يا حبيبة بابا- يحضنها بين ذراعيه- أن بابا يستطيع أن يُقدِمَ على أي عمل قد يضرّ مصلحة أبناء بلده و أرضه، أو أن يساعد في مسح هوية الأرض هذه؟ طبعا لا".


تقودها ذكرياتها حين كانوا ذات مرة يزورون الحائط الغربي[1] للمسجد الاقصى زيارتهم السنوية، مرتدية لباسها اليهودي، مع أبيها المرتدي ال "كيباه"[2] وأمها العاملة أصلاً في تنظيم هذا الحدث السنوي إلى الحائط. ذهلتها صرخات المرابطات على أبواب القدس العتيقة: "الله اكبر.. الله اكبر"..!

ما بالهم! لسنا مقتحمين ولا مستوطنين، نحن فلسطينيون.. نحب مقدساتها و رموزها الدينية كلها، أبتهل عندما أرى ذهبية القبة و حين أسمع صوت الآذان. و كنيسة القيامة أجراسها قيامةٌ حقيقية، تربطنا بالأرض ربطا عصيًّا عن الفكّ.

في وجوه المرابطات تلك.. غيومٌ رمادية، لباسهنّ الأبيض يثير ريتا كثيراً، جذاب لدرجة جعلتها ترغب في الركض نحوهنّ وإخبارهن عن حقيقة أمرهم، أصواتهن فيها من الغضب الكثير، رقيقاتٌ لدرجة الثورة، جميلاتٌ كوجه موسى، فاتناتٌ كبحر حيفا، و مُبعداتٌ كماءٍ استسلم للجزر!

يتبع..

__________________________
*النصوص المكتوبة بخط عريض هي صوت ريتا
[1] هو حائط البراق عند المسلمين، يزوره اليهود كل سنة و يبكون على دمار هيكل سليمان.
[2] كيباه: هي الطاقية الصغيرة التي يضعها اليهود على مؤخرة رؤوسهم

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - انتقد أفعالك لا ذاتك

قلم : مرام أبو عيد



"اذا أردت أن ترقى بذاتك انتقد أفعالك ولا تنتقد ذاتك"

في لحظة ما تشعر أن حياتك تسير إلى غير الاتجاه الذي تريد، تنظر إلى سنين عمرك السابقة، فلا تشعر أنك قد فعلت فيها كل ما تطمح إليه! تنظر إلى ما هو قادم وتدعو أن يهبك الله القدرة والطاقة والقوة على أن تفعل فيها كل ما لم تستطع عمله، وتنجز فيها الكثير الكثير، لذا ومن هنا أقول: حاول دائما أن تزرع بداخلك أهدافاً قوية براقة، واعمل جهدك في تحقيقها، واحذر أن تكون أهدافك مجرد أمنيات أو رغبات فتلك بضاعة الفقراء. ما أكثر اولئك الذين يعيشون في دائرة الأماني وليس من واقعهم شيء يذكر لذا اعمل دائما أن يكون هدفك نابعاً من قيمك ، ومبادئك ، وتقتك بنفسك...

إن الثقة بالنفس كقلعة من الرمال، من الصعب بنائها، ومن السهل هدمها لذلك علينا جميعا أن نكون على ثقة بأنفسنا، قبل أن نثق بمن حولنا، ويجب علينا تطوير ذاتنا لأن شخصيتنا هي ما يميزنا عن غيرنا من البشر، فنحن كبشر لا نتميز عن غيرنا إلا بالشخصية القيادية والواثقة من نفسها، المؤمنة بقدراتها مهما واجهت من تحديات وعقبات ورمي بسهام الكلمات، تلك الكلمات التي قال عنها علماء الاجتماع بأنها تفوق أي قوة توصل لها الانسان، كالكهرباء والطاقة النووية لذلك كانت كلمات العلماء والأدباء والشعراء أقوى من أي قوة أخرى.

فتقدير الذات مهم جداً حيث أنه هو البوابة لكل أنواع النجاح الأخرى المنشودة، عندها يجب أن تحدث ثورة أو إن صح التعبير قوة نفسية في داخلك، تدفعك لتغير تلك الأفكار السلبية.. فقوة التغيير في أعماقك تنتظرك حتى توقظها من سباتها، وأن تكون على ثقة مطلقة بأنك ستصل إليها بإذن الله ..

في اللحظة التي تنوي فيها التغيير سوف تجد أن الله معك فهو القائل: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) تأمل هذه الآية، كم تعطيك من قوة لتغير نفسك باتجاه الأفضل والاتجاه الذي يرضي الله عنك؟ لأن الجهاد المقصود في الآية هو جهاد النفس وجهاد العلم وجهاد الدعوة الى الله وجهاد الصبر على أذى الاخرين... فهذه الآية نزلت في مكة ولم يكن الجهاد بالسيف قد فرض، ولذلك هي تتحدث عن تغيير ينبغي عليك أن تقوم به في نفسك أولا ثم في غيرك..فتطوير الذات مهمة مستمرة دائما لا تتوقف عند حد أو عمر.

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - Retweet

قلم : جمانة الياسين




سجايا.. گ عطر اللوزِ لا لوزَ دونهُ ولا خُبز..!... گ حرف الميم في وجه أمي في أثينا وفي عمّان وحول جيدِ بغداد.. گ النجم لا مواليد دونَ مسروقِ زياراته.. دونَ إغفاءاته ومنثورِ خرائطه.. !

سجايا.. مُرصّعةُ البريقِ بها لَبِناتُ أجسادنا.. كانت!!

محوناها.. ! .. نفّضنا منها أخباننا زلّةً وأبقينا على حليِّ اللاشيء.. گ المُزن تُرضعُ ماءها سودَ الصّحارى.. وفي سماء الظمئى فقيره!!

سجايا.. كان الغناءُ بها.. كانَ الغنى بها.. شُجّت حناجرنا فسالَت أوديةٌ من أرواحٍ جميلةٍ ومساحيقُ فِطره.. وأصبحنا نغرّدُ دونما لحن.. !

خليليَّ في الوفاء.. عامت مساءاتكما زيزفوناً .. قِفا على ثقبٍ من النّاي كي نبدأ..

الحبّ

هنا للقلبِ واحةُ وسبيلُ

هنا الأقداحُ ثغرٌ باسمٌ وجميلُ

هنا الكلماتُ تغدو عانساً قد أسقيت

ظفائرها المشيبةُ كوثراً مجدولُ

هنا حضنٌ گ عينِ الريم ذات دجى

يطوف عليها في تجليّها خليلُ

نحنُ لا نمتلكُ حناجراً گ حناجر صغارِ السنونو! .. بل أصغر.. بل أصغر.. !!

لماذا نظنُّ أنّ العمرَ سيكفينا لنصمت.. لماذا نعتقدُ أننا سنعيشُ إلى الوقت الذي ظنناهُ _عبثاً_ مناسباً للبوح .. ؟

لماذا نظلُّ على إنكارِ مشاعرنا حتى ينتهيَ بها المطافُ سطراً في وصيّةٍ قد يقرأها أحدهم أو لا..

( وخلقناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا ) تصريحٌ إلهيٌّ أنيق .. شِرعةٌ ومنهاجٌ قد حفّ اللهُ به طريقَنا إليه.. لحنٌ عريقٌ فيه من الحياةِ أنغامٌ ومقامات..

رفضنا ؟ .. لا ليسَ بالضبط ما فعلناه..

عصينا؟ .. تقريباً ولكن لم تكن البدايه

حِدنا.. ؟ .. أجل حِدنا.. ياليت أنّا بقينا على الدّرب ورفضنا.. يا ليتَ أنّ أقدامنا قد خدشت بحصاه وعصينا..

ولكنّا شِحنا عنه بكايناتنا.. بِ كُلّنا.. لم نبقِ معشارَ جفنٍ عالقٍ هناگ يأمّلنا بالعوده..

ومنذُ متى كان ليصيبه الدفء من نامَ تحت غطاء غيره ؟؟!

تخلّينا عن فطرتنا.. لبسنا حروفَ أبجديةٍ لا تناسبنا.. فصارت أوتارنا الصوتيةُ تقولُ نشازاً وتصرّحُ نشازاً .. أفرغنا أقلامنا من حبرها الذي قد أغدقت فيه أصلاً .. وأسقيناها حبراً مستعاراً .. كتبنا الزّيفَ حتى صاحت من كذبنا الأوراقُ..

غدونا گ روّاد الأحلامِ الجميلةِ لا يصدّقونها حتى تُكوى عيونهم.. !!

نمضي وكلما صرنا بما مضينا إليه تمنينا لو نرجع.. صار اليوم ماضٍ وياليته يعود.. نحنُ نعيش حتى نستمعَ إلى تحسّر بعضنا البعض على ما ترگ وراءه .. ويكأنّ الله قد خلق للماضي شيئاً جميلاً كان لزاماً عليه أن ينتهي حتى نبكيَ عليه..

انهضا معيَ لنؤمن يا خليليّ..

وحقّ الله ما العمر إلا إيمان.. !!

تعالا نحبّ .. تعالا نؤمن بأن القلبَ مضغةٌ لا وقتَ لفسادها.. فَ جوعُ القادمِ ليسَ مأمونَ الرّمق..

تعالا نغرفُ من أرواحنا شربةً لظمئى المشاعرِ فينا.. نروّيها.. ننمّيها.. فدربُ الله طويلٌ ونعمَ الصّديقُ صديقُ الغربةِ .. صديقُ السّفر..

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون 

بأقلامكم - أنا والناس

 

عبير البياري



لما تشوف هالصورة رح تنبسط وتتذكر أصحابك اللي بتحبهم، ورح ترجع بشريط الذكريات لطفولتك، واللي كانوا هما جزء منها، رح تتذكر ضحكاتكم وألعابكم وحتى مشاغباتكم، يمكن سألت حالك شو قصة هالصورة؟ وشو سر هالبسمة المرسومة ع وجوههم؟ هالصورة قصتها بسيطة بس حلوة كتير.

مرة من المرات وأنا عم بتصفح أحد المواقع الإجتماعية كانت أول صورة وقعت تحت أنظاري لطفلين مبتسمين، بيحكوا عن صداقتهم وعن قصة تعارفهم، سألهم المصور: "كيف صرتو أصحاب؟" و كان جواب واحد منهم "مرة وقع دفتره و قلمه من شنطته فجبتلو اياهم وقلتله: شاطر شنطتك مفتوحة، وهيك صرنا صحاب". هاي هي قصتهم، ببساطة جمعتهم المحبة وأنبنت صداقتهم على الثقة، و بالرغم من صغر سنهم إلا أنهم علموني الأمانة ومعنى الخير (صادِقْ صَديقاً صَادِقَاً في صِدْقِهِ فَصِدْقُ الصَدْاقَةَ في صَديقٍ صَادِقِ) و بالمناسبة هاد البيت حفظتو بعد عناء شديد من صديقتي اللي كتبتلي إياه على كتابي العربي، واللي كان مرشوم بكتاباتها و مواهبها العظيمة.. وفهمكم كفاية!

المهم..هالصورة كانت منشورة على أحد صفحات الفيسبوك، ولفت انتباهي مواضيع الصفحة وهدفها، هالصفحة كانت عبارة عن مشروع صغيراسمه "ناس عمان" وهي موجودة عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك و تويتر، بتوثق يوميات المدينة وحياة ناسها، بيديرها فريق كامل من المصورين الشباب، اللي هدفهم يسمعوا الناس و يآنسوا وحدتهم، يسلوهم و يشاركوهم همومهم، ومستوحاة من أحد الصفحات الأمريكية في مدينة نيويورك، عجبتني الفكرة و حبيت أشاركم بعض القصص اللي قرأتها أو اللي صارت معي، منها الطريف كان أو الحزين، ومنها الغريب بس مفيد.

و لأنو حلو كتير أنك تسمع الناس، كبار كانوا أو صغار تعال معاي شوي، وتخيل إنك ماشي بشوارع مدينتك، بحارتك، عدوامك رايح، أو راجع على بيتك، الصبح وأنت طالع تجيب فطور لعيلتك وحامل ربطة الخبز بإيدك، أو حتى وأنت عم تدور وتكزدر بسيارتك، وقف شوي وخلي الصورة اللي عم تشوفها من حواليك توقف..شوف الناس، اطلع على وجوهم، ركز بعيونهم، حتلاقي قصصهم المكتوبة على جبينهم واللي راسمة ملامحهم، شوف الكبير والصغير، حتلاقي كل واحد حامل روايته اللي انكتبت بدفتر حياته على مر الأيام الي مضت من عمره. ركز على البيت المهجور من بعيد، مين اللي عمره؟ وليش صار مهجور؟ هالبيت انبنى بسواعد الناس وعرق جبينهم، ولما خلي هالبيت و تركوه صاحبه، خلص عمره وصار مهجور من الناس، كمان هيك الحياة مش حلوة بدون الناس، والجنة من دون ناس ما بتنداس.

ركز كمان و اطلع حواليك منيح اطلع عراس الشارع من بعيد، شوف الولاد الصغار اللي بيلعبوا، حتلاحظ إنهم محاطين بهالة كبيرة منسوجة من البساطة والبراءة، والشغب و المرح، قرب شوي رح تسمع صوت.. صوت نابع من قلوبهم، بيعزف لحن من أصوات ضحكاتهم و صريخهم و ضجيجهم اللي باسطهم و زاعج الجيران. وهلا قرب أكتر جرب أحكي معهم، اسألهم عن ألعابهم و هواياتهم، خليهم يحكولك عن أحلامهم البسيطة، وقتها رح تعرف شو يعني حياة، وتتعلم أنك تعيش كل يوم بيومه و كل ساعة بساعتها، من غير ما تفكر ولا تقلق ببكرا، ورح تدرك أنه في كتير من القصص التايهة و المنسية اللي بتحتاج مين يسمعها قصص رح تفرحك و تنسيك همومك. وهلا خلي الصورة إللي وقفتها تتحرك.
هاي هي قصتي مع الناس..بحب أمشي بالشوارع وأسمع قصصهم وأشاركهم همومهم.

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - رسالة إلى أبي

  

مرام أبو عيد

 


رسالة عرفان؟ رسالة تقدير؟ أي شكر وأي تقدير؟ ماذا أكتب وأنت أبي؟ فما أكتبه لك ليس عرفاناً، ولا هي رغبة في الكتابة لأجل الكتابة، إنه شعور خفي يدفعني لأدون لحظة صدق، وقطرات تتلألأ أجهل مصدرها، تدفعني لأقول لك كم أحبك يا أبي..كانت كلمات خرجت من قلبي قبل أن تصل إلى قلمي.. هي كلمات حب صغيرة، ولدت دون تفكير، هكذا أردت أن أوصلها إليك، محررة من تنميق الأسلوب وبلاغة اللغة، بسيطة وبنفس الوقت عميقة.. فما أجمل ذلك الإنسان الذي يحمل بين جنباته قلبا أصفى من ماء الورد، وأنقى من قطرة الندى.. تلك القطرة التي تغسل وجه الأوراق من غبار الأنام الذي علق بها.. 

حاولت البحث عن شبيه لك يا أبي في طيبة قلبك، في قوة صبرك! لكنك أفسدت جميع الرجال في نظري.. ولا أحد يشبهك..! لأنك أنت من يكفف دمعي حين أبكي كالأطفال بين يديه أنت من تسمعني حين أتعب من أيامي ومن كلماتي ومن أوراقي ومن كتبي تمد يدك الحنونة الى رأسي وتبشرني بأن أحلامي سوف تتحقق، باختصار لأنك "أبي"..

يا من ملكت قلبي..تخونني العبارات والكلمات التي أحاول أن أعبر فيها عن حبي لك فالحروف رغم كثرتها عاجزة عن وصفك يا أبي..

أبي الحبيب.. أنت أيضا صديقي..أجمل اللحظات هي التي أرافقك فيها للمساجد.. أو أتحدث معك عن أمور الدين و الدنيا..

أبي أنت صاحب مبدأ في الحياة.. لم أر مثلك.. صدقا والله يا أبي.. تسارع للخير.. تفتح الأبواب للناس.. شهد لك القاصي و الداني بالصلاح.. زرعت فينا حب الخير و العطاء.. علمتنا أن السعادة إنما هي في تطهير القلب من الكبر و النفاق و العجب والعطاء ..و أن الايمان ليس صلاة و كلاماً فحسب.. علمتنا حب المساكين و التواضع و الحنية و الجدية.. علمتنا كل مبادئ الخير.. حتى أني كلما قرأت شيئا عن الأخلاق في الاسلام.. إلا ووجدت أنك زرعت بذرته في قلوبنا.. لهذا لم يصعب علي الإلتزام بالاسلام.. لأنك كنت بفطرتك تربينا على مبادئه.. فجازاك الله عنا كل خير..لقد أحسنت تربيتنا..

أبي.. ما أعظمها من كلمة..ما إن أنطق بها وأشعر أنني غارقة في الخجل..إجلالاً وإكباراً وإحتراماً..

أبى شكراً لجعلي في حياتك أميرة .. شكرا لكونك أباً رائعاً حنون .. إسمح لي ب لحظات جنون..منها تعلمت من أنا..وكيف أكون..!

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - إلى لور (1)


سحر القضاة


هُناك.. يختبئُ في ظلٍ يهابُ الشّمس، حبٌّ هائم، بانتظارِ ستائِرها المخمليّة لِـتُفتح

إلى لور:

بنيتِ شرفة من الروايات على قمة الجبل، لم لا تكتفين اذا بعَذب الطّهر فيها والرّضا والسّكينة.. وبعض الانتظار؟

لاتجاوزيها، لا تفتحي ذراعيك لذاك الهواء الرطب الملاطف فتنتشين، ولا يغويّنك بجنون العاشقين..فما هو إلا مايسبق السيل الجارف يهوي بك إلى الوادي السحيق!!

تلك الأجنحة لا تُصَعّدُ للنّجوم لا ياصغيرتي! ولا أنت فراشة به تصيرين؛ فهذا الهوان لا يليق إلا بالغربان!

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - صدى رَوْحاني


إسراء بشارات


لتلك المشاعر المتناثرة بحياتنا..

إلى متى ستبقين عائمة في سمائنا تائهة ؟؟

تندمجين يا مشاعر بحياتنا حتى الأعماق، حتى كدنا لا نعلم متى نفرح و متى نحزن..

اختلطت أمورنا ببعضها !!في شدة ازدحام أيامنا نبكي، وبشدة لسبب ما قد نجهله أحيانا !

ربنا جل وتعالى في علم غيبه وبحكمته قد كتب لنا الخير في باطن ذاك الحزن، فنظن جاهلين أن الأبواب قد أوصدت في وجوهنا وما علمنا أن الله "ما أغلق الله على عبد باباً بحكمته إلا وفتح له أبوابا برحمته"، لذا فالكثير من حكم ربنا لم تدركها عقولنا وبصائرنا إلا بعد انكشاف حقائق لم نعلم سرها إلا بالوقت المناسب.

"قد لا تكون جميع الأيام التي نعيشها جميلة، ولكن هناك دوماً شيء جميل في كل يوم نعيشه"

يا إلهي كم تلونت أعيينا بحمرة كالجمر لأحزان كانت هي السعادة والخير لنا بحد ذاته ولم نفهمها إلا متأخرين، لو علمنا ما خفي عنا في علم الغيب لضحكنا كثيراً و بكينا قليلاً..

افرحوا فالهموم ما تراكمت إلا لتمطر غيثاً حمل في ثناياه العطايا الربانية .

هكذا الحياة لن تكون جميلة إذا لم نحزن، لندرك قيمة الفرح والعودة إلى رحاب الله ..

أحبك ربي.

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون

بأقلامكم - تكتلات مشاعر


غيداء طواها


الإحساسُ بالسعادةِ .. الدُّخولُ في الكآبةِ .. الامتلاءُ بالفرحِ ..

الإحاطةُ بالخوفِ .. التنَهُّدُ حزنًا .. الجنونُ حبًّا .. الانفجارُ غضبًا .. الاحمرارُ خجلًا .. الـ .. الـ .. الـ

جميعها مشاعرٌ ..

يمتزجُ بعضها أحيانًا كخلطة دواءٍ لداءٌ عُضالٍ يستحيلُ وصفها ومحالٌ حلُّها ..

يملُّ المرء تكرارَ أحدِها على الدّوام ..

ويخاف المرء تقلُّبَها بإسهابٍ كتقلُّبِ مزاج امرأةٍ انجبت طفلها الأول وسمعت خبرَ وفاةِ زوجِها في آنٍ معًا ..

ولولا أسوأَها ما وُجِدَ أفضلُها، كمتسابقٍ بكى من شدّةِ خوفِه وغُمِي فرحًا لفوزِه ..

يرى بعضُهم أنها سخافاتٌ ،، وهؤلاءِ الـ " بعض " أكثرُهم احتواءً لها ..

يُحِسُّ المرءُ بمُتعتِها حينَ يقرأُ روايةً أو يشاهدُ سلسلةَ أحداثٍ ..

يسمعُ المرء كلماتٍ تلمسُ شعورَه كموسيقى تُعزَفُ له ليطربَ عليها ..

عالمٌ كبيرٌ وفوضى عارمةٌ يكمُنانِ في قلبِ شخصٍ واحد ..

وكل شخصٍ في هذا العالم هو "الشخصُ الواحد"..

ليسَ بمقدورِ المرءِ التحكمَ في عالمهِ وليسَ بمقدورِه دراستُه كاملًا ..

يتسرعُ بعضهم في الحكمِ على ماهيّةِ شعورهِ فيُؤذي ومنهم من يندَم وهم منتشرون ..

ولا يبالي بعضُهم لعالمِه حرصًا على سلامةِ غيرِه وهم نادِرون لكنها مع ذلك تشيعُ بين الأم و ابنها ..

ويُبالي بعضُهم بعالم غَيرِه مع حرصِه على سلامةِ عالمِه وتكثرُ بين الأخِلَّاءِ ..

بعضُهم مهما فعلَ لا يَهمُّه سوى سلامةُ عالمِه لا يُؤذي ولا يهتمّ وهم كثيرون ..

ومنهم من تَتقلَّبُ حالُه بينَ هذهِ و تلكَ ..

قواعدُ كثيرةٌ وشواذُّها أكثرُ .. لا تفسيرٌ ثابتٌ لها ولا استقرارٌ ..

ولندعو الله بالأفضلِ لنا .. ولا تَتَذمَّر فأفضَلُها أحيانًا يسوءُ للعَينِ في بدايتِهِ

ويَكتَمِلُ حسنًا فيها عندَ نهايتِهِ

التدوينات المنشورة في قسم "بأقلامكم" لا تعبر بالضرورة عن زيزفون