‏إظهار الرسائل ذات التسميات روح وريحان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روح وريحان. إظهار كافة الرسائل

ثُلة منً الأوّلين - انطلقوا بنا نزورُ الشّهيدة

 

قلم : سمية عبد الرزاق


قبل تسللَّ ضوء النّهار، تمتزج الغيوم وتختلط رويداً رويداً، يبدأ الفجر بالبزوغ، ليشدو ذلك الصوت برقّة بتلك الآيات العظيمة. نعم إنه قرآن الفجر، فقد كان لها معه قصّة عجيبة.

ما إن سمعت نداء التوحيد حتّى تمسّكت به، ولبّته بقوّة، وكانت من أوائل الأنصاريات إيماناً وإسلاماً. فانصرفت تتلو آيات الله آناء الليل وأطراف النهار، تلك العابدة التقيّة. ولم تكتف بهذا، بل أخذت تجمع القرآن وتتدبّر معانيه، وتتقن فهمه وحفظه والعمل به. لك أن تتخيّل جمال ذلك القلب الذي شغل بحب القرآن، فهذه كانت همّتها إيمانا وعملاً، لا سيلاً من الكلمات.

انّها أم ورقة بنت عبدالله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، هي واحدة من الأنصاريّات اللاتي سطّرن أروع الصفحات في تاريخ الإسلام، فلقد كانت من فضليات نساء عصرها. كان بيتها يرتع بالوافدات المهاجرات والأنصاريّات اللاتي يأتين للصلاة ومدارسة القرآن مع امرأة مثلها، تقيّة حافظة لكتاب الله.

تاقت نفسها للشهادة، فذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدراً فقالت له : "ائذن لي فأخرج معك فأمرّض مرضاكم، لعلّ الله أن يرزقني الشهادة. فقال لها الرسول لحكمة يعلمها الله : " قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة " وفي رواية اخرى قال : "يا أمّ ورقة اقعدي في بيتك فإن الله سيهدي إليك شهادة في بيتك" [الطبراني] هل يا ترى توقّفت هنا؟ ..لا بل سبقتها همتّها لعمل شيء آخر، ثغرة أخرى تسدّها، فأردفت تستأذن النّبي أن تتخذ في دارها مؤذناً، فأذن لها النّبي وأمرها أن تؤمّ أهل دارها وتصلّي بهم فكانت تؤم المؤمنات الوافدات إليها.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقدّر هذه الصحابيّة الجليلة، وليس ذلك فحسب.. بل أراد أن يعرف الجميع مكانتها وإتقانها بين الصحابة، حتّى انّه أمر بأداء الصلاة في بيتها، يا لها من نعمة ويا له من فضل !

غدت أم ورقة تعرف بين النّاس بالشّهيدة وكان النبي إذا أراد زيارتها اصطحب معه ثّلة من أصحابه الكرام، فيقول لهم :" انطلقوا بنا نزور الشهيدة" [الألباني] فكانت بذلك التشريف النبويّ تطير فرحاً، وتطمئن نفساً، بذلك اللقب وهذه البشارة التي جاءت بين يديها، مصداقاً لقول الذي لا ينطق عن الهوى.

لم تتزوج أم ورقة، وعاشت في دارها الفسيحة مع غلام وجارية يقومان على خدمتها، وكانت تعاملهما معاملة كريمة، وتعطف عليهم عطف الأم على أولادها، وكانت دائما تقول لهم أنّكم بعد موتي حرّان. ولكن يبدو أن الفتى والفتاة استعجلا موتها ليصبحا أحراراً، فسوّلت لهما نفسهما فقتلاها في بيتها، فماتت شهيدة الظلم والغدر .

وكان عمر ابن الخطّاب يتفقّدها ويزورها عندما يتفقّد vعيّته اقتداءا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن عادته أن يتردد حول جنبات دارها ويسمع صوتها قبيل بزوغ الفجر فيقول :هذا صوت خالتي أم ورقة! واستغرب مرّة انقطاع سماع صوتها يوما فقال : "والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة"، فدخل بيتها فإذا هي ملفوفة في قطيفة بجانب البيت، فقال : "صدق الله ورسوله" ثمّ صعد على المنبر وذكر الخبر، وأمر أن يؤتى بهما، فأتي بهما فقتلا .

وأقول هنا بيتا لأحد الشعراء، في مقام الشهداء ..
لا تبكه فاليوم بدأ حياته إن الشّهيد يعيش يوم مماته !

أرادت الشّهادة فنالتها..عسى الله أن يجمعنا بها في أعالي الجنان.

مع الحبيب - محمد الصاحب بالجنب


قلم : جمانة الياسين

 


هو من تدلّى الدرّ عناقيداً من منطقه

هو من أملى الأميّة على ألواح الشرائع وحياً وهدى

هو من مسح الجباه ببركةٍ شابهت بيض الآرام نقاءاً

حتى تسابقت الآفاق إلى افتراش خطاه والصلاة عليه

هو الحبيب طه .. سلّم اللهم عليه تسليماً يليق بفيض المآقي دمعاً قد حنّ إليه

يا رفقة أحمدٍ يا منال كلّ روحٍ قد دشنها ذكره وآنسها حبّه .. يا هدي أحمدٍ يا قناديل الأنس لهاتيك القلوب التي طمحت إلى جوار الله الخلود ..

ما من خصلة من خصال الخير إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر الحظ والنصيب من التخلق بها، وما من نهر طيبٍ في هذا الوجود إلا وكانت أنامله الشريفة إحدى ينابيعه، ولما كان القدوة والإمام، فهو أيضاً الحبيب الصاحب بالجنب.

تجلت أسمى أخلاق الصادق الأمين بلين جانبه لكل من أرسل إليهم من هذه البشرية، وعندما كانت إحدى وصاياه "خيرُكمْ خيرُكم لأهلِه" فقد كان أرفق على أهله من رفقهم على أنفسهم.

هاهو هنا يرفق بزوجه فتجده أول من يواسيها، يكفكف دموعها، يقدر مشاعرها، لا يهزأ بكلماتها، يسمع شكواها، ويخفف أحزانها؛ فكان مثالاً يحتذى، وقدوة حسنة يستفيد منها البيت المسلم على مر القرون والأزمان؛ عن أنس بن مالك أنه قال: بَلَغَ صَفِيَّةَ أنَّ حفصةَ قالتْ بنتُ يَهودِيٍّ فَبَكَتْ فَدخلَ عليْها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهيَ تَبكِي فقال: "ما يُبكيكِ" قالتْ: "قالتْ لي حَفصةُ إنِّي ابنَة يَهودِيّ" فقال النبِي صلى الله عليه وسلم "وإِنَّكِ لابنَة نبيّ وإِنَّ عمّكِ لَنبيّ وإِنَّكِ لتحتَ نبيّ فبِمَ تَفخرُ عليكِ" ثُمَّ قال "اتَّقِي اللهَ يا حَفصةُ"

كان يخرج معهن للتنزه لزيادة أواصر المحبة، فيروي البخاري : "وكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كانَ بِالليلِ سَارَ مَعَ عَائشَةَ يَتحَدَثُ"

وكان كثيرًا ما يمتدح زوجاته، فها هو ذا رسول الله يمتدح عائشة - رضي الله عنها- قائلاً: " إنَّ فضلَ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعامِ" [البخاري].

فالناظر هنا في عذوبته عليه الصلاة والسلام، ولطفه ولين جانبه، يجد في سيرته وهديه، القدوة لحياةٍ مستقيمةٍ ملؤها الجمال الصادق المغيث للنفس، والمرضي لله في آنين معاً.

وهاهو ذا يسطر أحد أرحم مواقف اللين وحسن الرفقة، إذ استأذنه أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه- في الهجرة، فقال له: "لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً"، فلما أذن الله ـ عز وجل ـ لنبيه بالهجرة قدم على أبي بكر يخبره بالأمر فقال له أبو بكر: " الصحبة يا رسول الله ". فقال له: "الصحبة"، تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: "فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ" [البخاري] تالله إنّ القارئ وإيانا لحسن هذا الموقف وما يعبق به من حبٍّ، ليفيض قلبه غبطةً على ما نال أبو بكرٍ من صحبة خير الأنام.

وفي سنن الترمذي بسند حسنه بعض أهل العلم أن عمر بن الخطاب لما أراد العمرة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنسنا من دعائك يا أخي" ما أطهر روحك يا حبيب الله، فهاهو المعلم كأنما يحكي لعمر حكايتين في حكاية، حكاية الوفاء للصّحبة الصالحة، وحكاية أجمل عهود البشرية ألا وهو الدعاء.

إن أعظم نعمةٍ قد منّ الله علينا بها هي أن هدانا للإسلام، وأن جعل لنا من بين الشرائع شرعة محمدٍ نرتقي بها إلى ما وراء الثريّا.

بنتم وبنّا فما ابتلت جوانــحنا *** شـــــوقًا إليكم ولا جــفت مآقينا

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا *** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

صلى الله عليك يا رسول الله

ويبقى العطر بعد الياسمين



  قلم : إسراء كيالي

 


يموت الياسمين إذا تولى        ويبقى العطر بعد الياسمين


بيت أخذ في روحي مكانه، نظمه الشاعر أيمن العتوم، إذ ما يبقى من الياسمين هو عطره دوماً. يا ترى أي نوع من العطور نتركه نحن أينما حللنا وارتحلنا ؟

ما يبقى من الواحد منا حُسْن ما يخلفه ورائه أين ما كان. يقول الرافعي في وحي القلم : " لو أنني سُئلت أن أُجمل فلسفة الدين الإسلامي كلها في لفظين، لقلت: إنها ثبات الأخلاق، ولو سُئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجزعلاج الإنسانية كلها في حرفين لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق، ولو اجتمع كل علماء أوروبا ليدرسوا المدنية الأوروبية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات الأخلاق".

لا يغني إتقان العمل عن حسن خلقك وتعاملك مع من حولك، ولا يغني ما ظهر منك من امتثالٍ لشعائر الله إذا ما طويت في نفسك السيء والخبيث وأظهرت اللئيم والمزعج، ولا يغني تفوقك في دراستك عن سوء تعاملك مع زملاء الدراسة واحتكارك لمعلومة ومنع نشرك لفهم مطلوب .

لا يغني عنك أيتها الجميلة مظهرك الأنيق عن تمثل الحياء في كل تصرفاتك، ولا يغني جنسك أيها الرجل لتكون صاحب الحق لفعل جميع التصرفات دون رقيب أو حسيب.

"من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ قال: أحسنهم خلقاً " [الألباني]- صدق رسول الله - ، صدق الحبيب إذ أنه بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، فالخير فينا ما حيينا، إلا أن تسارع الحياة وضياعنا في متاهاتها جعلتنا نفقد أخلاقنا على الطريق، فاختلال المعايير وتبدل القيم ومسيرنا المضطرب جعلنا نتنازل عن ثوابتنا ونظن أنها لا تصلح في هذا الزمان حتى نستطيع التماشي مع هذا المجتمع المتبدل الغريب، فلو أن كل واحد منا تمسّك بخلقه الكريم ومضى فيه يعمل وييني ويترك أثره في هذا المجتمع، لاختلف الميزان ورجحت كفة صلاح الأخلاق لكل الأزمان .

وبهذا فإن الأخلاق ليست من مواد الترف التي لا يمكن الاستغناء عنها، بل هي من أصول الحياة التي يرتضيها الدين، ويحترم ذويها .

نحن الياسمين شئنا أم أبينا فأي عطر سيكون وراءنا ؟

مع الحبيب - محمد حليماً


قلم : جمانة الياسين



دثّروني ، دثّروني بسيرة أحمد واسقوا جفوني..

حلو الملامح من ملامحه ولا لا تتركوني..

خلف الرحال إذا شددتم إزار نياقكم، إليه خذوني..

لا كحل يحلو دون مرآى قبره بعيوني..

ولا الدفء دفء بعيد الذّكر يا قومي فلتذكروني ،

عند المقام معاتباً طول البعاد وزمّلوني..

بحروف طه يا أكارم زمّلوني..
 

هذا الحبيب، هذا الورادُ الذي ما خاب من أروى ظمأ عقيدته منه، هذا الأنيس لكل من رام الجنان وأدمته مفاتن الدّرب، هذا محمد -عليه صلوات الله وسلامه- 

عندما نريد أن نتكلم عن حلمه فالحلم يا أصحابي يخجل أمامه، فها هو ذا يُبعث نبياً إلى أعارب قد أشربت نفوسهم الجلافة، وما عاد للين فيهم من نصيب، يأتي إليهم بدين النجاة ويبادلونه بأشدّ أنواع الأذى، يؤذونه بأصحابه وأتباعه ونفسه، يتطاولون على الرسالة النقية التي أمر بتبليغها إياهم ليكونوا من الفائزين، يخرجونه وأهله من أحب البقاع إلى قلبه، ويريد الله أن يعود إليها فاتحاً منتصراً، ويقف أولئك انتظار سخطه وغضبه فيفاجئهم بقوله " اذهبوا فأنتم الطلقاء". 

ويأتيه جبريل - عليه السلام- وقد اشتد به الغمّ في يوم العقبة فيقول له: " يا محمّد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين،(الأخشبان :جبلان في مكة هما جبل أبي قبيس الذي عليه القصر الملكي اليوم، وجبل قعيقعان، وهما مطلان على المسجد الحرام من المشرق).
، فيقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخْرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيء".

سيد الكونين والثّقلين، صلوات ربي وسلامه عليه، كان كظلل الرحمة إذ رمت بأفياءها قلوب العالمين، كان گالأم الحنون يوم أن كان أصحابه كزغب الحواصل لا حضن يضمّهم ولا تحنان، لم يذر قلبا إلا وقد شدّه إليه نافخاً فيه من عطفه وحبّه، هو للغلمان نعم الصديق وهو لخادمه سيّد رقيق. 

فها هو ذا خادمه أنس بن مالك يصوّر لنا أجلّ مراتب حلم رسول الله حيث يقول: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن النّاس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيّ الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، قال: فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: "يا أنيس! اذهب حيث أمرتك"، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعت: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركت: هلّا فعلت كذا وكذا؟". 

كان سليط السيف على أعداء ربه ولكنّه كان أشدّ حلما من أن يقتل نفساً قد يكون لها في الغد من الإيمان نصيب. 
فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "سحر النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيّاماً، قال: فجاءه جبريل عليه السّلام، فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً رضي الله تعالى عنه، فاستخرجها، فجاءه بها فحلّلها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنّما نشط منْ عقال، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه حتى مات". 

حبيب الله لم يبعث بأمر يوازي في عظمته عظمة حسن الخلق، فقد اختار من أمته جاراً له يوم تتجاور الخلائق صاحب الخلق الحسن فقال" أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"، فمنْ رام قرب الحبيب مجلساً فليجاهد القرب منه خلقا وإحسانا.

ناثرات النور

 

قلم : إسراء كيالي 

 


تنظر إحدانا في المرآة، تتمعن تارة في ملامحها وتارة أخرى في ثيابها، تنظر في حجابها وتضع اللمسات الأخيرة، وأخيراً أنا مستعدة للانطلاق . 

قبل فترة من الآن شاهدت فيلم ناثرات النور السبعة؛ وثائقي يتحدث عن سبع نساء دخل من خلالهن الحجاب الشرعي إلى الأردن، إلتزمنه في أنفسهن وانطلقوا في الشوارع و الأزقة وفي أماكن العمل، نظرة إعجاب هنا وأخرى استهزاء وإنكار هناك، لم يبالين طالما أن الهدف رضا رب العالمين .

لو تأملنا لباسنا لعبّر عنا بطريقة ما، كم هو شنيع خطأ أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس مسألة شكلية! وأي شكل في الوجود لا يعبر عن مضمون؟ بدءاً بأبسط الأشياء حتى أعقدها!

من العبادات الخاصة بنا نحن معشر النساء هو الحجاب أو بصورة أخرى اللباس، ولا يقبل الله العبادة إلا أن تكون خالصة له سبحانه وأن تكون على الوجه الذي يرضاه.

رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم عليه السلام و زوجه حواء، حيث كان لباس الجنة رمزاً للرضا الإلهي ، وبمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! قال تعالى: { إِنّ لَكَ  أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى }- طه (118)، قال ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: إنما قرن بين الجوع و العري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر .

جاءت آية سورة الأحزاب في فرض نموذج لباس المرأة { يَا أَيّها النّبيُّ قَل لِأزواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المُؤمنينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبهِنَّ ذَلِكَ أَدنى أَن يُعرَفْنَ فَلا يُؤذَينَ وَكَان اللهُ غفوراً رَحيماً } وآيات سورة النور التي منها قوله تعالى : { وَلا يُبدينَ زِينَتهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنها وَلْيَضرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ }.

الخلاصة في مسألة اللباس إن هيئة المسلم في لباسه و مظهره رجل كان أو امرأة هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة صلاة من معاني السير إلى الله خضوعاً و خشوعاً .

لنكن ناثرات النور اليوم وكل يوم، ننثر النور بحجابنا، الحجاب الذي لا يتغير حسب تجدد الموضات، وإتباع آخر الصيحات في الألوان و الهيئات .

و يصحبنا الرافعي في الختام بقوله "ليس الحجاب إلا كالرمز لما وراءه من أخلاقه ومعانيه وروحه الدينية والتعبدية، وهو كالصدفة لا تحجب اللؤلؤة ولكن تربيها في الحجاب تربية لؤلؤية".


المصادر : وثائقي ناثرات النور السبعة - إنتاج قناة اليرموك الفضائية .

كتاب سيماء المرأة في الإسلام- فريد الأنصاري.

ثُلّة منَ الأوّلين - خَفشة منَ الجنة


قلم : سمية عبد الرازق



الله أكبر ..الله أكبر

الله أكبر ..الله اكبر ...

وارتفع ذاك الصوت الرخيم ليصدح في أعالي السماء، وينزل إلى القلوب في الأرض، فيذيبها شوقاً وقرباً ولذة قرب الوقوف بين يدي الله .فحينما يقترب موعد الأذان يلتفت النبيّ لمؤذنه ليقول : "ارحنا بها يا بلال". ] أبو داود [

أيا بلال ..يا من نطقت بـِ "أحد أحد" ليس بأمر من أحد، إلا أنك شعرت ووقر في قلبك أنّه واحد أحد فرد صمد، لا ندّ له ولا ولد !إنها الوحدانية التي ملأت قلبك وأزالت لباس العبودية، ودثرت كل المعبودات معه، فأضحيت بين ليلة وضحاها حراً طليقاً بأيدي عبيد !

ولا عجب أن تشتاق الجنّة لأمثالك فقصّتك وحكايتك خلّدت ذكراك عند المسلمين، وما أن تسمع باسم بلال حتى تتذكر الآذان وكأنّ الآذان اختصّ به، هي علاقة لبلال بن رباح دون الصحابة أجمع .

لم يزل بلال يتقرّب الى الله بخلواته حتّى يأتي ذلك اليوم الذي يحدّث به الرسول صلوات الله عليه صحابته فيقول:" دخلتُ الجنةَ ، فسمِعتُ خَشَفَةً (أي حركة وصوت) بين يدَيَّ ، فقلتُ : ما هذه الخَشَفَةُ ؟ فقِيلَ : هذا بِلالٌ يَمشِي أمامَكَ " ]الألباني[ ، وحين سأل النبي بلالاً مستفسراً بأرْجى عمل عمله في الإسلام قال : " ما عملتُ عملًا في الإسلامِ أرجى عندي منفعةً ، من إني لا أتطهَّر طهورًا تامًّا ، في ساعةٍ من ليلٍ ولا نهارٍ ، إلا صليتُ بذلك الطهورِ ، ما كتب اللهُ لي أن أُصلِّيَ"] متفقٌ عليه[

وكان بلال من الصحابة الذين شهدوا المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يلازمه ويؤذن في حضرته، وما أجمله من شعور يبتدر القلب فيشعل وطأة ظلامه.. فصوته كان علامة مسجلة في أذهان من حوله، بأن بلال لا يؤذّن إلا في حضرة النبيّ الكريم وياله من تكريم وياله من مقام عظيم !

فبعد وفاة النبي واستخلاف المسلمين أبا بكر الصديق اختار بلال طريق الجهاد في سبيل الله، ومضت الأيام حتّى فتح الخليفة الفاروق بيت المقدس فما كان منه إلا أن طلب من بلال أن يؤذن لهذا الفتح كما أذّن من قبل يوم فتح مكّة.

فشرع يؤذن بصوته الشجي الممزوج برائحة الحزن والشوق للنبّي عليه الصلاة والسلام، وما أن سمعوا صوته حتى بدأ الجميع بالبكاء وكان أشدهم عمر، فقد تذكروا الأيام الخالية وتذكروا النبي صلوات الله وسلامه عليه وكان هذا اخر آذان لبلال مؤذن رسول الله !

وأقبل الموت يزفّ بلالاً -بإذن الله- إلى الجنّة للقاء أحبته وصحبه هناك ليلتمّ شمله وتسكن روحه عند بارئها، ويومها قالت زوجته: " وا حزناه! "، فكشف الغطاء عن وجهه وهو في سكرات الموت وقال: "لا تقولي واحزناه، وقولي وافرحاه، غدا نلقى الأحبة، محمداً وصحبه".

توفي بلال في الشام كما أراد، ودفن في دمشق سنة 20 هـ، وقبره هناك. كما يوجد مقام له في "قرية بلال" في ضواحي مدينة عمان في الأردن.
لك يا بلال منّا السّلام والوّد ..فطوبى لمن لحق بالركب والتزم بالعهد وصان أمر الرب.

ثُلّة منَ الأوّلين - وفُتحتْ أبوابُ السّماء

 

قلم : سمية عبد الرزاق 

 


اعتلى فرسهُ ووثب عليه وكأنه يريد الطيران به لشدّة سرعته وعنفوان غضبه في تلك اللحظة، وأثناء ذلك ردّد بحنق في نفسه : "إما أن يقتل وإما أن يكفّ عمّا يفعل ولا خيار آخر"

وانطلق يعدو تلك الأميال بخفّة، وكأنما الارضُ طويت لتستقبله ليرجع شخصاً آخر وبوجهٍ آخر، ويا للمفاجأة! فقد كان مُصعب ينتظره على أحرّ من الجمر، وعرف فور رؤيته وهو قادم على فرسه من بعيد وعلى وجهه علامات الغضب، نجاح خطة أسيد بن حضير الذي أسلم على يديه قبل ساعات، والذي استفزّ سعد بن معاذ ليأتي بنفسه فيسمع هذا الحديث .

استقبله مصعب بوجهٍ بشوش كعادته دائماً، لكنّ سعداً بن معاذ بادره بقول ٍغليظ وبكلماته التي جهزها في طريقه فقال مهدداً مصعب: "إمّا أن تكفّ عنّا وإما أن نقتلك!"، فما كان من مصعب إلا أن قال بكلماته الليّنة التي تنزل على القلب فتخفت وطأة غضبه :"أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرنا قبلته؛ وإن لم ترضه كففنا عنك ما تكره" ، ردّ سعد وهو يومئ برأسه إعجابا بدبلوماسيته : "ولم لا !"

وجلس سعد يستمع إلى حديث مصعب الذي قام يخبره عن الإسلام وعن روعة هذا الدين الحنيف، فكانت تلك الكلمات بثقلها تخترق قلب سعد فتصل إلى أعماقه لتكسر قفل قلبه وينكشف النور ككوكب دريّ، فيستبشرُ وجهه وتلمع أساريره، فيقول بلهفة العاطش الذي وجد ماءاً يطفي ظمأ مشقة الطريق: "كيف يفعل من يريد الدخول في هذا الدين؟"

قال مصعب متهللاً فرحاً : "اغتسل وتطهّر واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم )" ففعل، ثم خرج من عنده عاقداً النيّة أن يسلم كل بني عبد الأشهل .

وعندما عاد لقومه جمعهم في مجلسهم المعتاد وقام قائلاً فيهم بصلابة المسلم وحزمه : "كيف تعلمون أمري فيكم؟"
قالوا: "سيدنا وأفضلنا رأياً وخيرنا وأيمننا"، ردّ قائلا : "فإن كلامكم عليّ حرام رجالكم والنساء، حتّى تؤمنوا بالله الذي لا إله إلا هو وتصّدقوا برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم )، تناقل القوم الخبر، وانتشر كسرعة النار في الهشيم، وأراد الله أن يتّم نوّره عليهم فلم يبقَ رجلٌ ولا إمرأة في تلك الليلة إلا مسلمٌ ومسلمة .

علم سعد بن معاذ مهمته منذ نطقه الشهادة، علم مالذي يجب فعله لنشر الدين، أدرك حجم كلمته وقوتها على قومه فأسلم قومه بإسلامه !

وفي السنة الثانية للهجرة والتي شهدت أحداث غزوة بدر، طلب النبي صلى الله عليه وسلم المشورة قبل الحرب، فقام كل من أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو وقالوا وأشاروا وأحسنوا الكلام، إلا أنهم كانوا من المهاجرين، فقال الرسول عليه السلام "اشيروا عليّ أيها الناس " فقال سعد بن معاذ زعيم الأنصار : "والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله" فقال "أجل " فقال سعد : "لقد آمنا بك و صدّقناك وشهدنا على ما جئت به وهو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجلٌ واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنّا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ في اللقاء، ولعلّ الله يريك منّا ما يقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله ".

فسّر الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سمع كلام سعد ورقيّه ثم قال "سيروا وأبشروا فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم" [أحمد وابن هشام].

وتوالت الأيام وانتهت غزوة الخندق بهزيمة المشركين، وبعد الغزوة ذهب الرسول هو وصحابته لحصار بني قريظة الذين تآمروا مع المشركين على المسلمين، وخانوا عهد الرسول، وغدروا بالمسلمين، وجعل الرسول سعد بن معاذ يحكم فيهم، فأقبل سعد يحملونه وهو مصاب، وقال: "لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم". ثم التفت إلى النبي وقال: "إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى ذراريهم ونساؤهم"، فقال الرسول : "لقد حكمت فيهم بحكم الله" [ابن عبدالبر].

ثم يموت سعد بن معاذ -رضي الله عنه- ويلقى ربه شهيدًا من أثر السهم، وأخبر الرسول صحابته أن عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد، وجاء جبريل إلى رسول الله وقال له: "من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟"

وأسرع النبي وأصحابه إلى بيت سعد ليغسلوه ويكفنوه، فلما فرغوا من تجهيزه والصلاة عليه، حمله الصحابة فوجدوه خفيفًا جدًّا، مع أنه كان ضخمًا طويلاً، ولما سُئل الرسول عن ذلك قال: "إن الملائكة كانت تحمله" [ابن عبد البر]، وقال : "شهده سبعون ألفًا من الملائكة" [ابن عبد البر].

وجلس الرسول على قبره، فقال: (سبحان الله) مرتين، فسبح القوم ثم قال: (الله أكبر) فكبروا، وقال النبي: "لو نجا أحد من ضغطة القبر، لنجا منها سعد بن معاذ" [ابن عبد البر]. وكانت وفاته -رضي الله عنه- سنة (5هـ)، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع.

هذا هو سعد بن معاذ الذي عاش بالإسلام ست سنوات، ست سنوات ماذا فعلت بها يا سعد ليكون لك هذا السجّل العظيم؟! ماذا فعلت لتنال هذا التكريم الإلهي! وأقول إنها لنعمةٌ مستقرّها القلب وعمل ٌ بينه وبين الله، فنال به هذه الدرجات وهذا الثواب ، ولنا لقاء يا سعد هناك تحت أشجارالجنّة.

الإمداد على قدر الإستعداد

 

قلم : إسراء الكيالي 





أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان الحبيب، ثلاثون يوماً بمثابة مدرسة إيمانية تربوية مكثفة، لها أن تكون زاداً لنا طوال العام، نلقاه على شوق و نودعه بحزن، على أمل أن يحيينا الله للعام القادم لنستقبله بأحسن مما تركناه. 

إلا أن اغتنام ساعاته وجني ثماره، فذاك لا يأتي من فراغ، ولا بد من الإستعداد الجيد حتى نستمد من فيضه سبحانه ومن أيامه الكريمة الخير الكثير، وأضع بين أيديكم بعض خطوات الإستعداد :

  •  " شوقي إليك صرفني عن الإنشغال بما سواك " و هذا ما جعل العارفين يقولون " علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات"؛ إذن هي التخلية، فلنعزم على ترك عاداتنا السيئة، يمكنك أن تبدأ بواحدة أو اثنتين قبل رمضان ومثلهما فيه، حتى تجد أنك خرجت بغير القلب الذي دخلت به.

  • قال صلى الله عليه وسلم "ما من عبد إلا وله صيت في السماء فإن كان صيته في السماء حسناً وضع في الأرض وإن كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض" صيت في السماء، تخيل أن رب العباد وملائكته ينادون باسمك متبعاً بصفة جميلة : فلانة البكّاءة، فلان المستغفر، فلانة القوّامة، فلان الصادق، فلانة حافظة القرآن .. إلخ.حدد صيتك الذي تحب أن تعرف به بين أهل السماء و تَمثله في رمضان . 

  •  لنجعل هذا الشهر مميزاً أكثر؛ اختر فعلاً أو نشاطاً لم تفعله في رمضاناتك السابقة : تفسير سورة، العيش في ظلال اسم من أسماء الله الحسنى، الصدقة وغيرها الكثير، فمجال الخير و المنافسة و السبق إلى الله واسع . 

  •  رتب جدولك الرمضاني بما يناسبك .. اجعله مكتوباً مع هدف تريد تحقيقه هذا الشهر سواء هدف على المستوى الشخصي الاجتماعي أو الإيماني . 
الكثير منا لا يمكنه الاستغناء عن التلفاز حتى في رمضان، وبما أننا على مشارف بداية هذا الشهر العظيم سيحفل التلفاز بالغث و السمين، فلننتقِ النافع و المفيد منها و نرتبها بالشكل الذي نحب و نوزعه في محيطنا و لنختر منه برنامجاً أو اثنين لنتابعه و نترك الباقي لما بعد رمضان . 

وختاماً أقدم لكم بعض المراجع التي يمكن الاستفادة منها لنستعد لاستقبال الزائر الحبيب :
  • كتيب الذين لم يولدوا بعد – أحمد خيري العمري 
  •  كتيب رتب رمضانك – علي أبو الحسن 

مع الحبيب - وأنا خيرُكمْ لأَهْلي


إعداد : نوار طه



حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجيَّة هي نعمَ التطبيق للمعاني القرآنيَّة التي جعلت السكينة أساس هذه العلاقة؛ لذلك نجده عليه السّلام يُكثر من وصية أصحابه بالمرأة، ويحثُّ الأزواج أن يعاملوا أزواجهم معاملة حسنة مستمدَّة من آية الزّواج القائمة على المودَّة والرحمة، فيقول رسول الله : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلي".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم حسن العشرة مع زوجاته، دائم البشر، حريصاً على إدخال السرور إلى نفوسهن، يجلس إليهن، ويأكل معهن، ويحادثهن، ويمازحهن، ويشاورهن، ويستمع إليهن، ويواسيهن، ويطمئن عليهن، ويتغاضى عن تقصيرهن وأخطائهن، عملاً بقول الله تعالى}عاشروهن بالمعروف{، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضبت زوجته وضع يده على كتفها وقال: "اللهم اغفر لها ذنبها وأذهب غيظ قلبها، وأعذها من الفتن".

يتفقد زوجاته، ويرعاهن، ويؤنسهن، ويتلطف بهن "كَانَ النَّبِيُّ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ"، بالإضافة لذلك هو يعلمهن أمور دينهن، وينصحهن، ويوجههن إلى سبيل الخير، فقد أرشد عائشة إذا رأت ليلة القدر أن تدعو فتقول"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، وأعطى كل زوجة حقَّها من التقدير والإحترام، كما أشرك النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته في مواقف عظيمة كثيرة، وأحداث تهمُّ الأُمَّة بأجمعها.

انظر إلى رأفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجته فيعرف مشاعرها وأحاسيسها فيقول لعائشة رضي الله عنها "أني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عنى غضبى، أما إذا كنت عنى راضية فإنك تقولين لا و رب محمد، وإذا كنت عني غضبى قلت: لا و رب إبراهيم " ويقابل غَيرة زوجاته مقابلة فيها الكثير من الحلم والأناة، والأحاديث التي تعرض ذلك كثير، وتتمثل قمة حبه في قوله عن السيدة خديجة رضي الله عنها "أني رزقت حُبها".

كما كان حريصاً على القيام بحقوق زوجاته المادية والمعنوية، من نفقة، ومسكن، ومبيت، ومأكل، وملبس، ونحوه مما تحتاجه الزوجة. وقد روي عنه أنه قال "إن الرجل إذا سقى إمرأته من الماء أُجر" وبشر المسلمين بعظيم ثواب الإنفاق على الأهل "أعظم الصدقة دينار تنفقه على أهلك".

والناظر إلى سيرته يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُقَدِّر أزواجه حقَّ التقدير، ويُولِيهم عناية فائقة ومحبَّة لائقة، فكان نِعْمَ الزوج ..تعاملْ مع أخطاء أهلكَ بسماحةٍ ويُسْر، وعالِج الأمور بهدوءٍ واتِّزان، واجعل أمام عينيكَ دائمًا وصيةَ نبيِّكَ وحبيبك صلى الله عليه وسلم حين قال: ((استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنها خُلِقْنَ من ضلعٍ، وإن أَعْوَجَ ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمَه كسرتَه، وإن تركتَهُ لم يزل أعوجًا))؛ فاستوصوا بالنساء خيرًا.

ثُلّة منَ الأولينْ - رُوّح مهاجِرة


قلم : سمية عبد الرزاق

 



علا صوتها وارتفع إلى الصياح، رفعت يدها لتلطمه على وجهه، ولكن سرعان ما تراجعت بذهول، وكأن قوة شدتها إلى الوراء، سكنت يدها في الهواء قليلاً، جمدت كالجليد، أمام ذلك الوجه الوضيء الذي تلألأ بالنور بمشهد مهيب، ذلك الوجه الذي نطق بالايمان وصرّح به، نعم، قال مصعب: "لقد أسلمت يا أمي، ولن أخفي الحقيقة بعد اليوم"، وشرع بتلاوة آيات خالدات من الحق المبين، بصوت عذب خيم على المكان فزاده رونقا وجلالاَ.

أيا مصعب..كيف هان عليك كل ذلك الدلال والنعيم الذي كنت تغرق فيه؟ تركت كل الثياب والعطور وتلك المكانة والحظوة بين شباب أهل مكة أجمع، كل ذلك لتكون بصحبة الحبيب صلى الله عليه وسلم وبدأت منذ إسلامك بمشوار الدعوة، ذهبت إليه طالباَ الحقيقة صادقاً الرغبة.

لم يكن بيد أم مصعب "خنّاس" أيُّ حيلة فلقد وقف شامخاً كالجبل، أمام قراره بلا تراجع ولاتردد! فما كان منها إلا أن تزجه في غرفة قصية من بيتها ظناً منها أنه قد يتراجع عن قراره، ولكن.. بلا فائدة، وبطريقة ما أنسلّ من غرفته، لاحقاً بقافلة المهاجرين إلى الحبشة، فارّاً بدينه، تاركاً جميع ما يملك من أجل هذا الدين العظيم، ثم بعدها بفترة، عاد والتحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فخرج يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن بصروا به، حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم، وذرفت بعض عيونهم دمعاً شجياً، ذلك أنهم رأوه يرتدي جلباباً مرقعاً بالياً، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حيث كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرة وعطرة، تمّلى النبي الكريم به جيداً، تملّى مشهده بنظرات حكيمة شاكرة، محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامة جليلة، وقال: " لقد رأيت مصعباً هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حباً لله ورسوله ".

هذا هو مصعب بن عمير، الذي ضحّى بحياته كلها لأجل رفع راية الله خفّاقة بكل ما أُوتي من قوة، فلم يكتف بنشر الإسلام بل تاقت نفسه للشّهادة، فكان ممن حمل اللواء في معركة أحد، وكان ممن دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم حتّى استشهد، سنة 3 للهجرة، فكان مثالاً للشاب الذي حمل الإسلام بين عينه ووفى بعهده، حتى صعدت روحه المهاجرة إلى بارئها راضية مرضية، رضي الله عنه، وجمعنا به في عليّين !